انتفاضة شيخ الأزهر... دروس وعِبَر
الشيخ علاء بكر • حدث وتعليق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تسببت إعادة الجريدة الفرنسية (شارلي إبدو) لنشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي -صلى الله عليه وسلم- في نوبة غضب واحتجاجات عارمة من المسلمين في كافة أنحاء العالم شرقًا وغربًا، وتسببت التصريحات غير المسؤولة للرئيس الفرنسي (ماكرون) -دفاعًا عن الجريدة وتهجمًا على الإسلام والمسلمين- في زيادة حدة هذا الغضب وهذه الاحتجاجات، ولم يجد المسلمون في ظل تقاعس حكامهم وحكوماتهم أبلغ من الدعوة إلى المقاطعة الشعبية للمنتجات الفرنسية في شتى أنحاء العالم، وهي الدعوة التي لاقت استجابة وقبولًا لدى قطاعات كبيرة من المسلمين، وظهر أثرها سريعًا على شركات فرنسية كبرى في غضون أيام لم تتجاوز الأسبوعين.
وقد شهدت فرنسا في هذه الفترة بعض حوادث اعتداء مِن بعض المسلمين المغالين الغاضبين الذين يعيشون فرنسا -والذين لا يمثِّلون بالطبع عموم المسلمين في أوروبا-؛ تمثَّلت في مهاجمة مقر جريدة (شارلي إبدو) القديم وطعن شخصين أصيبا بجروح بليغة، كما قُتل مدرس فرنسي عَرَض على تلاميذه -وفيهم مسلمون- رسومًا مسيئة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، كما وقع اعتداء على كنيسة (نوتردام) قُتل فيه ثلاثة فرنسيين بينهم امرأة، وهي بالطبع أفعال تضر أكثر مما تفيد؛ إذ تثير غضب الفرنسيين والأوربيين تجاه المسلمين عامة وفي أوروبا خاصة؛ أفعال مِن قلة غالت بسبب قوة حماستها وعاطفتها في ردِّ فعلها كما غالى -ويغالي- أيضًا بعض المتطرفين اليمينيين الفرنسيين في تعرضهم للمسلمين هناك، حيث شهدت هذه الفترة مقتل فتاتين مسلمتين محجبتين من أصل جزائري.
ونظرًا للاستجابة للدعوة إلى المقاطعة الشعبية للمنتجات الفرنسية -والتي أثَّرت بالسلب على شركات فرنسية كبرى في غضون أيام لم تتعدَ الأسبوعين-؛ جاء تراجع "ماكرون" والخارجية الفرنسية عما بدر في صورة اعتذار مغلف بأن تصريحات الرئيس الفرنسي أُسيء فهمها، وهو ما حاول ماكرون إظهاره من خلال لقاء عقده مع قناة الجزيرة في قصر (الإليزية) في فرنسا، وأعقبه بإرسال وزير خارجية فرنسا في جولة تشمل مصر وبعض الدول العربية والإسلامية لتدارك الموقف.
وقفة شجاعة لشيخ الأزهر:
كان من الطبيعي أن تتجه الأنظار إلى الأزهر الشريف أكبر مؤسسة دينية إسلامية في العالم بتاريخها الطويل، وكان على شيخ الأزهر أن يعرب عن موقفه وموقف مؤسسته من هذا الأمر الذي يسيء إلى الإسلام وإلى نبي الإسلام، ويثير حفيظة المسلمين؛ خاصة مع استنكار مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر لتصريحات ماكرون، فجاء رد شيخ الأزهر قويًّا وعلى قدر المسئولية الملقاة على عاتقه من بداية الأحداث، في موقف يتسم بالاتزان والحسم، ويملؤه الغيرة على الدِّين الإسلامي وعلى نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وهو موقف يضاف إلى مواقف شجاعة أخرى لشيخ الأزهر سابقة في الدفاع عن ثوابت في الدين الإسلامي وأحكامه.
لقد جاء موقف شيخ الأزهر ليضعه في موضع قيادة الأمة في مواجهة مَن يحاول المساس بدينها ونبيها، ويحفز المسلمين كافة على الاعتزاز بدينهم ونبيهم، والتصدي لصلف الغرب وغروره، والذي ظن أن الساحة خالية له للانتقاص من الإسلام والمسلمين.
شيخ الأزهر أحمد الطيب:
هو أحمد محمد أحمد الطيب، من صعيد مصر، وُلِد في 3 صفر 1365 هـ، الموافق 6 يناير 1946م، أي: يبلغ من العمر حاليا 74 عامًا بالتقويم الميلادي، و76 عامًا بالتقويم الهجري.
وُلِد في منطقة (دشنا) بمحافظة قنا، درس في الأزهر، وحصل على درجة الليسانس في العقيدة والفلسفة من كلية أصول الدين بالقاهرة عام 1969 م، ثم حصل على درجة الماجستير عام 1971م، ثم درجة حصل على درجة الدكتوراة عام 1977م، ودرس الفلسفة في جامعة (السربون) في فرنسا، وتدرج في المناصب حتى تولى منصب الإفتاء في مصر، ثم عينه شيخ الأزهر السابق محمد سيد طنطاوي -وكان صديقًا مقربًا منه- رئيسًا لجامعة الأزهر. وبعد وفاة شيخ الأزهر سيد طنطاوي تم تعيين الطيب شيخًا للأزهر خلفًا له، وذلك في 19 مارس 2010 م، وهو الشيخ رقم 48 للأزهر.
في مشوار حياته عمل في كلٍّ من جامعة الإمام محمد بن سعود بالمملكة العربية السعودية، وفي جامعة قطر، وفي جامعة الإمارات، وفي الجامعة الإسلامية العالمية بباكستان. وهو أستاذ جامعي في العقيدة الإسلامية، وهو باحث أكاديمي متخصص، له مؤلفات وبحوث علمية جادة، وهو أشعري المذهب في العقيدة ومالكي المذهب في الفقه، ويتحدث الفرنسية والإنجليزية بطلاقة، وقام بترجمة عدة مراجع فرنسية إلى اللغة العربية، كما عمل محاضِرًا جامعيًّا في فرنسا، وأسلم على يديه أفراد الأسرة التي كان يقيم لديهم خلال دراسته في باريس. عرف بالاتزان والحكمة ودعواته المتكررة إلى نبذ الفرقة والعنف، والاحتكام إلى العقل، مع الحرص على حفظ هوية المجتمع وتماسكه، وهو رئيس مجلس حكماء المسلمين.
وهو مقيم مع أسرته في قرية (القرنة) بالأقصر، لكنه يعيش في القاهرة منفردًا لظروف عمله بمشيخة الأزهر، مع حرصه الدائم على الجمع بين عمله بالقاهرة والتردد على أسرته وأهله ومحبيه في مسقط رأسه ومراعاتهم. وله اثنان من الأولاد: محمود وهو مهندس، وزينب. وقد طلب مع تولي مشيخة الأزهر العمل بلا أجر، حيث تخلى عن راتبه منذ تولى مشيخة الأزهر دعمًا للاقتصاد المصري بعد ثورة يناير، فهو بذلك يعمل في خدمة الإسلام والمسلمين بلا أجر محتسبًا أجره عند الله -تعالى-. (انظر في ذلك موسوعة (ويكيبديا) على الشبكة العنكبوتية) .
موقفه من تصريحات الرئيس الفرنسي: