شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

انتفاضة شيخ الأزهر... دروس وعِبَر

الشيخ علاء بكر • حدث وتعليق

اعترض شيخ الأزهر مبكرًا على تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون التي دافع فيها عن الجريدة الفرنسية التي أساءت للنبي -صلى الله عليه وسلم-، معتبرها تصريحات تسيء بشدة للإسلام، ولنبيه -صلى الله عليه وسلم-، وتثير مشاعر المسلمين في كل مكان وتستفزهم، وتحض على الحقد والكراهية، وأن لها غطاءً سياسيًّا لأغراض انتخابية تتستر خلفها. وفي تغريدة له على موقع التدوينات القصيرة (تويتر) كتب شيخ الأزهر باللغة الفرنسية يقول: (بينما نسعى نحن والعقلاء في الغرب إلى تعزيز قِيَم المواطنة والتعايش، يتم الإدلاء بتصريحات غير مسؤولة، معتبرين الهجوم على الإسلام غطاءً لتحقيق مكاسب سياسية واهية!) (راجع جريدة الفتح – العدد 455 – 22 صفر 1442 هـ 9 أكتوبر 2020م) .

وفي الاحتفال بمناسبة المولد النبوي الشريف استنكر شيخ الأزهر من جديد تصريحات الرئيس الفرنسي قائلًا: (إننا نشهد الآن حملة ممنهجة للزج بالإسلام في المعارك السياسية وصناعة فوضى، بدأت بهجمة مغرضة على نبي الرحمة -صلى الله عليه وسلم-، لا نقبل أن تكون رموزنا ومقدساتنا ضحية مضاربة رخيصة في سوق السياسات والصراعات الانتخابية).

وأضاف في تغريدة له على حسابه الشخصي على موقع (فيس بوك): (أقول لمن يريد الإساءة لنبي الإسلام إن الأزمة الحقيقية هي بسبب ازدواجيتكم الفكرية واجنداتكم الضيقة، واذكركم أن المسئولية الأهم للقادة هي صون السلم الأهلي وحفظ الأمن المجتمعي واحترام الدين وحماية الشعوب من الوقوع في الفتنة لا تأجيج الصراع باسم حرية التعبير) (راجع جريدة الفتح الأسبوعية - العدد 458 – الجمعة 13 ربيع الأول 1442 هـ - 30 أكتوبر 2020 م) .

وجاء في كلمة شيخ الأزهر في احتفال رسمي بمناسبة المولد النبوي الشريف: (لكن من المؤسف أشد الأسف، ومن المؤلم غاية الألم أيضًا: أن نرى الإساءة للإسلام والمسلمين في عالمنا اليوم وقد أصبحت أداة لحشد الأصوات والمضاربة بها في أسواق الانتخابات، وهذه الرسوم المسيئة لنبينا العظيم والتي تتبناها بعض الصحف والمجلات، بل بعض السياسات هي عبث وتهريج وانفلات من كل قيود المسؤولية والالتزام الخلقي والعرف الدولي والقانون العام، وهو عداء صريح لهذا الدين الحنيف ولنبيه الذي بعثه الله رحمة للعالمين).

دعوته إلى تشريع عالمي يمنع معاداة المسلمين:

وجاء في كلمة شيخ الأزهر: (وإننا ومن موقع الأزهر الشريف إذ نرفض مع كل دول العالم الإسلامي وبقوة هذه البذاءات التي لا تسيء في الحقيقة إلى المسلمين ونبي المسلمين بقدر ما تسيء إلى هؤلاء الذين يجهلون عظمة هذا النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-، نحن إذ نفعل ذلك فإننا ندعو المجتمع الدولي لإقرار تشريع عالمي يجرم معاداة المسلمين والتفرقة بينهم وبين غيرهم في الحقوق والواجبات والاحترام الكامل المتبادل. كما إننا ندعو المواطنين المسلمين في الدول الغربية إلى الاندماج الواعي في هذه المجتمعات، والذي يحفظ عليهم هوياتهم الدينية والثقافية، ويحول دون انجرارهم وراء استفزازات اليمين المتطرف والعنصرية الكريهة واستقطابات جماعات الإسلام السياسي. وعلى المسلمين المواطنين أن يتقيدوا بالتزام الطرق السلمية والقانونية والعقلانية في مقاومة خطاب الكراهية، وفي الحصول على حقوقهم المشروعة اقتداء بأخلاق النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-).

وأضاف: (هذا وإني لأعجب العجب كله أن توقد نار الفتنة والكراهية والإساءة في أقطار طالما تغنت بأنها مهد الثقافة وحاضنة الحضارة والتنوير والعلم والحداثة وحقوق الإنسان، ثم تضطرب في يديها المعايير اضطرابًا واسعًا حتى بتنا نراها وهي تمسك بإحدى يديها مشكاة الحرية وحقوق الإنسان، بينما تمسك باليد الأخرى دعوة الكراهية ومشاعل النيران!).

دعوته إلى تعريف العالم بقدر النبي -صلى الله عليه وسلم- ومكانته:

وجاء في كلمة شيخ الأزهر دعوة إلى تعريف العالم أجمع بقدر النبي -صلى الله عليه وسلم-، ودوره وإسهاماته ومكانته العالية، وصفاته وأخلاقه الكريمة، حيث قال: (و في الختام: ومِن وحي هذه الذكرى العطرة يشرفني غاية الشرف أن أعلن عن إطلاق الأزهر الشريف منصة عالمية للتعريف بنبي الرحمة ورسول الإنسانية -صلى الله عليه وسلم-، يقوم على تشغيلها مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، وبالعديد من لغات العالم، وكذلك تخصيص مسابقة عالمية عن أخلاق محمد -صلى الله عليه وسلم-، وإسهاماته التاريخية الكبرى في مسيرة الحب والخير والسلام).

سعي وزير خارجية فرنسا للقاء شيخ الأزهر:

في محاولة لتدارك الموقف وتقديم تبرير مقبول تهدئة للأمور، أرسلت فرنسا وزير خارجيتها (جان إيف لودريان) في جولة تضم مصر وبعض الدول العربية والإسلامية، حيث قَدِم إلى مصر في يوم الأحد 27 ربيع أول 1442 هـ الموافق 8 نوفمبر 2020م، حيث طلب بعد لقائه مع الرئيس المصري زيارة ومقابلة الإمام أحمد الطيب شيخ الأزهر، وهي زيارة تدل وتؤكد -في هذا التوقيت- على مكانة الأزهر العالمية وعلى قوة تأثيره في نفوس الشعوب العربية الإسلامية؛ لذا كان لزامًا أن تبدأ الجولة من مصر والأزهر لتؤتي ثمارها المرجوة، فقبول شيخ الأزهر لأي تبريرات من فرنسا أو اعتذار، له أثر كبير في تهدئة الأمور لمصلحة فرنسا، ولكن تأتي الرياح أحيانًا بما لا تشتهيه السفن؛ فقد جاءت ردود شيخ الأزهر القوية في وجه وزير الخارجية الفرنسي تأييدًا ودعمًا لردود أفعال المسلمين الغاضبة، وتأكيدًا على الإنكار الشديد لما تنتهجه فرنسا تجاه الإسلام والمسلمين، وبيانًا لما يجب أن يكون عليه العالم دفاعًا عن الإسلام وعن نبيه -صلى الله عليه وسلم-.

فقد تم اللقاء، ولكن لقن فيه شيخ الأزهر الرئيس الفرنسي درسًا لن ينساه في ضرورة احترام دين الإسلام ومكانة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وذلك من خلال رسائل أرسلها أثناء حديثه مع وزير خارجية فرنسا.

وقد أكَّد وزير الخارجية في بداية زيارته احترام فرنسا لجميع الأديان، وأعرب عن تطلعه لتعزيز التعاون والتشاور مع مصر والأزهر لمكافحة ظاهرة الفكر المتطرف، ومما يذكر هنا: أن لوزير خارجية فرنسا علاقة قوية مع شيخ الأزهر فقد سبق والتقى بشيخ الأزهر في مصر 4 مرات، كما استقبله مرتين في باريس.

الصفحة السابقة الصفحة التالية