شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (74) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (2) ازدياد تدهور العدالة الاجتماعية (2-3)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فرغم أن الفقر أمر دائم غير مؤقت؛ إلا أن أحوال الناس تتفاوت حول خط الفقر، وتتبدل ما بين فقر شديد مدقع، وفقر مطلق غير مدقع، وقد يتأرجح حال البعض بين البقاء على هامش خط الفقر أو فوقه أو النزول تحته، وربما غاص في أعماق الفقر الشديد.

معدل الفقر في مصر:

طبقًا لآخر بحث للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في تحديد معدل الفقر القومي في مصر في عام 2017م - 2018م، فإنه يعيش تحت خط الفقر المطلق مَن يَقِلُّ دَخْلُه عن 6و537 جنيهًا شهريًّا أو 2و24 جنيهًا يوميًّا، بينما يعاني الفقر المدقع مَن يَقِلُّ دَخْلُه عن 8و490 جنيهًا شهريًّا أو 6و16 جنيهًا في اليوم.

ويَقُوم مفهوم الفقر المدقع على عدم القدرة على الحصول على تكلفة السلع الغذائية اليومية التي توفِّر للفرد السعرات الحرارية والبروتينات اللازمة للنشاط العادي، والبقاء على قيد الحياة، بينما يقوم مفهوم الفقر المطلق على عدم توفر بقية الاحتياجات الأساسية للفرد -بعد الغذاء- من السَّكن والملبس والمواصلات، ومياه الشرب النقية، والصَّرْف الصِّحِي، والتعليم والخدمات الصحية.

ويجب مُرَاعَاة أن مؤشِرات الفقر هذه ليست ثابتة، ولكن ترتفع بالطبع بارتفاع الأسعار، وارتفاع تكلفة الخدمات المُقدَّمَة للفرد، ويزداد بارتفاعها نسبة الفقراء؛ فقد أعلن جهاز التعبئة والإحصاء في نتائج بحثه: أن معدَّل الفقر المطلق في مصر ارتفع ليبلغ 5و32 % من السكان في عام 2018م مقابل 8و27 % في عام 2015 م، أي: أن هناك تقريبًا فقيرًا واحدًا بين كل ثلاثة من المصريين، بينما ارتفع معدل الفقر المدقع إلى 2و6 % من السكان مقابل 3و5 في عام 2015 م، أي: أن هناك تقريبًا بين كل خمسة من هؤلاء الفقراء لا يجد فقير منهم يوميًّا ما يكفيه من الغذاء (راجع في ذلك: "الفقراء وعاصفة كورونا" عبد القادر شعيب - كتاب الهلال - يونيو 2020 م، 46 - 47) .

والملفت للانتباه: أن هذا الارتفاع في معدلات الفقر المطلق والفقر المدقع حدث رغم الارتفاع الذي سَجَّله جهاز التعبئة والإحصاء في متوسط الدخل السنوي للأسرة في عام 2018 م، وبالتالي: ارتفاع إنفاقها، ويرجع السبب في ذلك: إلى ارتفاع معدل التضخم وارتفاع الأسعار، فالدخل الحقيقي انخفض ولم يرتفع، حيث زاد الإنفاق نقدًا، بينما انخفضت القدرة على تدبير الاحتياجات الأساسية، وعلى رأسها: الغذاء.

(وهكذا فإن المصريين أنفقوا في عام 2018م نقودًا أكثر، ولكن قدراتهم على تدبير احتياجاتهم الأساسية رغم هذا الإنفاق الزائد تراجعت بسبب معدل التضخم والتهاب الأسعار) (المصدر السابق، ص 51) .

تذبذب معدل النمو الاقتصادي:

إن المواجَهَة الحقيقية لمشكلة الفقر تستدعي أن يكون هناك دائمًا معدل متزايد ومستمر من التنمية المستدامة لفترة طويلة مناسبة، بل وأن يفوق معدل النمو الاقتصادي معدل نمو السكان، ولكن كانت المعضلة في مصر وما زالت أنها لا تحافِظ على معدل نمو اقتصادي مرتفع لفترة طويلة (فهي لأسباب سياسية لم تتمكن في الخمسينيات من تحقيق معدل نمو مرتفع، تمثَّلت في عزوف مزدوج لرأس المال الداخلي والخارجي عن تنفيذ استثمارات تحتاجها البلاد، فكان ذلك سببًا في خوض الدولة بنفسها غمار عملية التنمية الاقتصادية وتنفيذ استثمارات حكومية بعد أن أقدمت على تمصير شركات أجنبية ثم تأميم شركات مصرية. وخلال الخطة الخمسية الأولى التي بدأت مع عقد الستينيات نجحت مصر في إحراز معدل نمو اقتصادي مرتفع، وصل في نهاية الخطة الخمسية الأولى (1965م) إلى 5و6 %، غير أن ذلك لم يستمر، فقد واجهت الخطة الخمسية الثانية مصاعب وتحديات عديدة كان أغلبها من خارج البلاد، فتعثرت خطى التنمية الاقتصادية وتأجل تنفيذ الخطة الخمسية الثانية، ثم جاءت هزيمة يونيو 1967م لتوقف تنفيذ هذه الخطة تقريبًا؛ نظرًا لأننا قمنا بتعبئة كل الموارد المالية والاقتصادية من أجل إعادة بناء قواتنا المسلحة وإعدادها جيدًا لمعركة استعادة الأرض السليبة). وبعد حرب أكتوبر وحتى نهاية حكم السادات لم تكن هناك فرص متاحة للمضي في التنمية الاقتصادية (المصدر السابق، ص 75) .

(لقد كنا دومًا نرجع حدة مشكلة الفقر لدينا منذ هزيمة يونيو 1967م بأننا نُخَصِّص قدرًا كبيرًا من مواردنا للاستعداد للحرب، وبعد الحرب كنا نقول: إن مشاكلنا الاقتصادية نتاج لسنوات الاستعداد للحرب، لكن لم يعد مناسبًا أو مقبولًا أن نعلل استمرار مشاكلنا الاقتصادية وتزايد حدتها بذلك، ونحن لم نخض حربًا عسكرية منذ أن حققنا نصر أكتوبر1973م) (المصدر السابق، ص 17) .

(وعندما تولى "حسني مبارك" رئاسة مصر بعد اغتيال السادات بدأ حكمه بعقد مؤتمر اقتصادي للتوافق بين خبراء الاقتصاد في مصر على خطة لإصلاح أوضاع اقتصادنا؛ غير أن إدارة اقتصادنا في سنوات الثمانينيات من القرن الماضي مضت في سبل مختلفة عما تم التوافق عليه في المؤتمر الاقتصادي وعبر سبل متعددة، ولكنها كانت تسير في اتجاه التحول إلى اقتصاد السوق، مع الاحتفاظ بالدعم العيني للسلع والبطاقات التموينية والطاقة، وجرت محاولات في النصف الثاني من الثمانينيات؛ لتحقيق إصلاح مالي خلال فترة تولي د. "علي لطفي" رئاسة الحكومة، لكنها لم تكتمل؛ لذلك مضت سنوات الثمانينيات والأزمة الاقتصادية تشتد، وظهر ذلك في تزايد عجز الموازنة، وأيضًا: في نقص موارد النقد الأجنبي، وتراكم الديون الخارجية، وبالتالي: لم يكن متاحًا أن نحقق معدل نمو اقتصادي مناسب أو مرتفع) (المصدر السابق، ص 76) .

الصفحة التالية