الفساد (74) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (2) ازدياد تدهور العدالة الاجتماعية (2-3)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وجاء بعدها إسقاط الديون الأمريكية العسكرية المستحقة على مصر، وديون بعض الدول العربية الخليجية وإعادة جدولة ديون نادي باريس بعد حرب الخليج الأولى (حرب تحرير الكويت)؛ لكي تمنح مصر فرصة جديدة لإحراز اقتصادنا معدلًا مرتفعًا للنمو الاقتصادي، كان متوقعًا أن يحدث ذلك ونتمكن من السيطرة على ظاهرة الفقر لدينا وهو ما تحقق بعد ذلك بسنوات، تحديدًا مع بداية النصف الأول من العقد الأول للألفية الجديدة، حيث بدأنا نحقق معدلًا متزايدًا من النمو الاقتصادي بلغ 5و7 % في عام 2007 م، ولكنه تراجع في عام 2008م إلى 4 و5 %؛ بسبب الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي أثَّرت سلبًا على حجم الاستثمارات المحلية، وأيضًا الأجنبية، ولم يتمكن رغم انحسار الأزمة المالية الاقتصادية العالمية من أن يعاود الارتفاع مجددًا في عامي: 2009م و2010م حيث بلغ 5و5% (ثم جاءت الظروف السياسية التي مَرَت بها البلاد بعد يناير2011م لتدفع معدل النمو الاقتصادي للانخفاض ليصل إلى أدنى مستوى له وهو 2 %. وبعد جهود استعادت البلاد استقرارها السياسي، ونجحت في رفع معدل النمو الاقتصادي عامًا بعد عام من 2014م ليصل في عام 2019 م إلى 4و5 %، ولكنه سوف ينخفض طبقًا للتقديرات الرسمية إلى 3و4 % هذا العام نتيجة التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا التي أصابت الاقتصاد العالمي بداء الركود) (المصدر السابق، ص 77-78) .
(غير أن ذلك التذبذب في معدل النمو الاقتصادي لا يكفي وحده لتفسير ازدياد أعداد الفقراء، خاصة وأن السنوات التي أحرزنا فيها معدلًا مرتفعًا للنمو الاقتصادي لم ينخفض فيها عددُ مَن يعيشون تحت خط الفقر، بل زاد هذا العدد؛ حدث ذلك في عامي: 2006م - 2007م اللَّذَيْن شَهِدا ارتفاعًا مطَّرِدًّا وملحوظًا في معدل النمو الاقتصادي)، (وحدث ذلك أيضًا في عام 2017م - 2018م حيث ارتفعت نسبة مَن يعيشون تحت خط الفقر إلى 5و32 % في عام 2018م مقابل 8و27 % في عام 2015م رغم زيادة معدل النمو الاقتصادي الذي حققناه ليصل إلى 4 و5 % خلال عام 2018م، وتمثَّلت أسباب الارتفاع المستمر في مؤشرات الفقر والزيادة التي لا تتوقف في أعداد الفقراء في أسباب خاصة تختلف من فترة إلى أخرى، ففي عام 2003م كان خفض قيمة الجنيه المصري وتغيير سعر صرفه أمام العملات الأجنبية سببًا، وفي نهاية عام 2016م كان تعويم الجنيه وما أعقبه من انفلات في التضخم سببًا.
وهناك أسباب أخرى عامة دائمة وثابتة، منها:
1- التوزيع غير العادل لعائد التنمية: وهو سبب رئيسي؛ إذ لا يحصل الفقراء وأصحاب الدخول المحدودة في نهاية المطاف على نصيبهم من ثمار النمو الاقتصادي، والتي يكون الأغنياء القادرون أول مَن ينالون نصيبهم منها دومًا، وبِنِسَبٍ كبيرة، (إن إنقاذ الفقراء يحتاج إلى الجمع ما بين تحقيق التنمية المستدامة بإحراز معدل نمو مرتفع وما بين عدالة توزيع ثمار هذه التنمية، ولذلك انتشر في الأدبيات الاقتصادية مصطلح (استهداف الفقراء) أي: التوجه مباشرة إلى الفقراء، والمناطق التي يكثر وجودهم فيها لإنقاذهم من الفقر والحرمان الذي يعانونه) (المصدر السابق، ص 80) .
(إن الدعم النقدي الذي يُقدَّم للفقراء الذين لا يقدرون على العمل أو يعملون عملًا، لا يكفي لانتشالهم من تحت خط الفقر، وهذا أمر يتضح من مقارنة ما يقدَّم للشخص الواحد غير القادر على العمل في إطار برنامج كرامة بخط الفقر الذي حدده جهاز التعبئة والإحصاء في عام 2018م، والذي يقدِّر الحدَّ الأدنى من الدخل اللازم لتوفير الاحتياجات الضرورية للإنسان، فهذا الدعم يبلغ 325 جنيهًا بينما هامش خط الفقر يبلغ أكثر من ضعف هذا الرقم (735 جنيهًا) (المصدر السابق، ص 114) .
2- وقوع السوق المصري تحت سيطرة مجموعة من محتكرين لم تتمكن السلطات الاقتصادية من وقف ممارساتهم الاحتكارية، فرغم قيام نظام السوق على نظرية آليات العرض والطلب والتي يتم الاعتماد عليها في تحقيق توازن الأسواق وعلاج التضخم وارتفاع الأسعار (فنحن لدينا في الأغلب الأسعار تتحرك في اتجاه واحد فقط وهو الارتفاع إذا زاد الطلب عن العرض أو نقص المعروض عن المطلوب وانخفضت بالطبع قيمة الجنيه، أما عندما يحدث العكس أي: يزيد المعروض على الطلب أو يرتفع الجنيه لا تتحرك الأسعار بمرونة إلى أسفل كما حدث عندما تحركت إلى أعلى، والسبب وقوع السوق المصري تحت سيطرة مجموعة من المحتكرين) (المصدر السابق، ص 80 -81) . هذا رغم أن لدينا قانونًا يحظر الممارسات الاحتكارية ويجرِّمها، ورغم أن لدينا أيضًا جهازًا نشطًا لحماية المنافسة ومكافحة الاحتكار.
وهذا يؤكد (أن مواجهة الاحتكار يتعين أن تكون شاملة تنخرط فيها كل المؤسسات الاقتصادية في الدولة لتفكيك الكيانات الاحتكارية، وإشاعة مناخ مشجع للمنافسة من خلال توزيع دائرة المشتركين في النشاط الاقتصادي الخاص (تجار ومستثمرون) (المصدر السابق، ص 81) .
(وهنا يتعين علينا القول: إنه لا يكفي لقياس أحوال الناس الاقتصادية أن نعتمد فقط على المؤشرات الاقتصادية العامة، مثل: ارتفاع معدل النمو الاقتصادي، ومثل انخفاض عجز الموازنة وتحقيق ميزان المدفوعات فائضًا مقابل العجز وانخفاض معدل البطالة وحتى تراجع معدل التضخم، فهذه المؤشرات تكتمل بمؤشرات التنمية البشرية التي ترصد حصول عموم الناس على احتياجاتهم الأساسية أولًا من الغذاء ثم المسكن والملبس، وخدمات الصحة والتعليم، ومياه الشرب والصرف الصحي والطاقة، وغيرها) (المصدر السابق، ص 81 -82) .
3- عدم كفاية برامج الحماية الاجتماعية المعمول بها سواء القديمة أو المستحدثة، وبطء تنفيذ برامج استهداف الفقراء، وتحديدًا القرى الأكثر فقرًا، والتي ضمت قائمتها نحو الألف قرية تمثِّل ربع مجموع عدد القرى المصرية.
لقد (انطلقنا بقوة للتحول إلى اقتصاد السوق والذي اقتضى خصخصة قائمة كبيرة من شركات قطاع الأعمال العام بلغت منذ عام 1991م إلى عام 2004م نحو199 شركة ووحدة إنتاجية بقيمة 1و17 مليار جنيه، بينما بلغت الشركات والوحدات الإنتاجية التي تم خصخصتها منذ عام 2004 م حتى عام 2010 م نحو 33 شركة ووحدة بقيمة 3و7 مليار جنيه.