شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لحظة... قبل أن تطلق! (2)

وائل عبد القادر • المرأة والأسرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإليك -أخي الكريم- القواعد والضوابط التى تحكم حل المشكلات الزوجية:

القاعدة الأولى: اعرف عدوك:

عداوة الشيطان للإنسان عداوة قديمة ومعلومة من خلال الآيات والأحاديث الكثيرة، قال -تعالى-: ( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) (فاطر:6) ، ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) (يس:60) ، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ ) (النور:21) .

وقد أخذ الشيطان العهد على نفسه بالأيمان المغلظة بإغواء بني آدم وإضلالهم، وتنكيبهم الصراط المستقيم، ( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) (ص:82) .

وقال -تعالى- على لسان إبليس: ( قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ) (الأعراف:16) .

وذلك من خلال وسائل وأساليب تمثِّل في مجموعها حربًا ضروسًا واضحة المعالم ضد الإنسان، فقال -سبحانه-: ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا ) (الإسراء:64) .

جاء في "التفسير الميسر": "واستَخْفِف كل مَن تستطيع استخفافه منهم بدعوتك إياه إلى معصيتي، واجمع عليهم كل ما تقدر عليه مِن جنودك مِن كل راكب وراجل، واجعل لنفسك شِرْكة في أموالهم بأن يكسبوها من الحرام، وشِرْكة في الأولاد بتزيين الزنى والمعاصي، ومخالفة أوامر الله حتى يكثر الفجور والفساد، وعِدْ أتباعك مِن ذرية آدم الوعود الكاذبة؛ فكل وعود الشيطان باطلة وغرور".

فأهل البصيرة أشعروا أنفسهم عداوة الشيطان وترصده فألزموها الحذر واشتغلوا بعداوته ما عاشوا، وأهل الغفلة تناسوا ذلك؛ فوقعوا في شراكه، واستجابوا لحبائله ولبوا دعواته، فكان الخسار والبوار، ولم يفيقوا إلا بعد وقوع المحذور وانتهاء الأعمار، فتحسروا وندموا ولات حين مناص؛ فهو لا يترك ما يمكن أن يلقي العداوة بين الناس إلا ويأتيه ويحرص عليه، ومن ذلك: إلقاء الفتن والتحريش بينهم لما يجره ذلك من التقاطع والتدابر والتقاتل بين المسلمين.

وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ ) (رواه مسلم) . وَمَعْنَاهُ: أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ أَهْلُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنَّهُ سَعَى فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ بِالْخُصُومَاتِ وَالشَّحْنَاءِ وَالْحُرُوبِ، وَالْفِتَنِ وَنَحْوِهَا.

وأعظم أنواع التحريش: أن يسعى للفرقة بين المرء وزوجه؛ فهذا منتهى أمانيه من بني آدم بعد الكفر، وقد صوَّر هذا المعنى حديث مسلم -رحمه الله- في بَابُ تَحْرِيشِ الشَّيْطَانِ وَبَعْثِهِ سَرَايَاهُ لِفِتْنَةِ النَّاسِ، فأخرج بسنده عَنْ جَابِرٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ ) قَالَ الْأَعْمَشُ: أُرَاهُ قَالَ: ( فَيَلْتَزِمُهُ ).

والعرش هو: سرير الملك، ومعنى إن عرش إبليس على البحر: أن مركزه البحر، ومنه يبعث سراياه في نواحي الأرض. (قاله النووي -رحمه الله- في شرح مسلم) .

فالمسلم العاقل هو الذي يعرف عدوه ويعي جيدًا ما يبتغيه منه؛ فيفوت عليه فرصة التحريش بينه وبين زوجته، فيعرف كيف يحل الأمور قبل أن تتضخم وتتكاثر عليه فلا يقيم الدنيا على أتفه الأمور، ولا يبحث عن دقائق الأشياء ويثيرها ويلهب الحديث عنها، ولا تستفزه بُداءات المشاكل أو مطالب الزوجة المتكررة بطلاقها مع أول مشكلة تقع، ولا يتتبع العثرات والزلات التي لا تخلو منها البيوت، بل هو العاقل اللبيب الذي قالت عنه العرب: (العاقل: هو الفطن المتغافل)، فيمرر ما يقبل التمرير مِن الحوادث والأشياء، ولا يقف على صغيرها وحقيرها فيضيق منافذ الجدال، والقيل والقال، بما يعني تضيق منافذ الشقاق والخلاف، فيحل مشاكله بعيدًا عن التلفظ بالطلاق أو الحلف به أو التوعد بإيقاعه، فيا له من زوج عاقل لبيب!

وَمـن لَـم يُغـمّـض عَـينَهُ عَن صَديقِهِ وَعَن بَعضِ ما فيهِ يَمُت وَهُوَ عاتِبُ

وَمـَن يـَتـَبَّـع جَـاهِــدًا كُــلَّ عَــــثــرَةٍ يجدها وَلا يَسلَم لَهُ الدَهرَ صـاحِــبُ

ومِن هنا ندرك أن كثيرًا مِن حالات الطلاق مرجعها إلى: تضخيم الأمور والمشكلات التى بدأت صغيرة، والتي يمكن أن توأد في مهدها؛ إلا أن الاستجابة إلى وساوس الشيطان جعلها تكبر حتى استعصت على الحلول إلا بفصم عرى الزوجية.

القاعدة الثانية: إدراك طبيعة المرأة وما جبلت عليه فى أصل خلقتها:

الصفحة التالية