شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لحظة... قبل أن تطلق! (2)

وائل عبد القادر • المرأة والأسرة

ويخبرك عن ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ ) قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: ( يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ ) (متفق عليه) ، وكذا ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، إِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ) (متفق عليه) ، وفي رواية لمسلم: ( إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا ).

وفي هذه الأحاديث عدة فوائد، منها:

1- ما جبلت عليه المرأة فى أصل خلقتها من عوج أخلاقهن وضعف عقولهن، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لم يكمل منهن سوى أربعة نسوة من نساء البشر كلهن.

2- أن كفرانها العشير، أي: جحودها لحق الزوج وما له من فضل عليها؛ فهو دأب المرأة مع زوجها، وحالها الذي لا يكاد تنخلع عنه أو تنفك منه كالمصرة عليه دائمًا.

قال ابن حجر -رحمه الله- في "الفتح": "فيه إشارة إلى وجود سبب التعذيب؛ لأنها بذلك كالمصرة على كفر النعمة، والإصرار على المعصية من أسباب العذاب".

3- أن تقويم الاعوجاج يكون برفقٍ حتى لا يكسر بالكلية، وكذا لا يترك فيستمر على عوجه... خاصة إذا تعدى الاعوجاج من نقص هو في طبيعة المرأة إلى معصية بمباشرة منكر أو ترك واجب.

4- قال الإمام النووي -رحمه الله-: "وَفِي هَذَا الْحَدِيث: مُلَاطَفَة النِّسَاء وَالْإِحْسَان إِلَيْهِنَّ وَالصَّبْر عَلَى عِوَج أَخْلَاقهنَّ وَاحْتِمَال ضَعْف عُقُولهنَّ، وَكَرَاهَة طَلَاقهنَّ بِلَا سَبَب، وَأَنَّهُ لَا يَطْمَع بِاسْتِقَامَتِهَا وَاَللَّه أَعْلَم".

5- قال الإمام ابن حجر -رحمه الله-: "وفي الحديث: سياسة النساء بأخذ العفو منهن والصبر على عوجهن، وأن مَن رام تقويمها فاته الانتفاع بهن، مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها ويستعين بها على معاشه، فكأنه قال: الاستمتاع بها لا يتم إلا بالصبر عليها".

فمفاد ذلك كله: أن الزوج العاقل هو مَن يتعامل مع زوجته على مقتضى هذه الفطرة والجبلة التى قال عنها الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-: ( لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ )، والتي فسَّرها الأئمة الأعلام بقولهم: "وَأَنَّهُ لَا يَطْمَع بِاسْتِقَامَتِهَا"، فيلزمه التحمل والصبر لهذا العوج الناشئ عن جبلة خلقية فيهن، والذي لا سبيل لاستقامته؛ إلا بالمداراة تارة، والتغافل تارة، والصبر والتحمل تارة أخرى.

ولا ينقص أبدًا من قدر الرجل أن يلعب كل هذه الأدوار وغيرها فى تعامله مع زوجته؛ فنظرة تأمل لسيرة خير الأزواج لأهله -صلى الله عليه وسلم-، سيطالع فيها الزوج كل هذه الأساليب كنموذج عملي لما قاله ونصح به -عليه الصلاة والسلام-.

ومِن ذلك مثلًا: هذا الحديث الذي رواه الإمام البخاري -رحمه الله- عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتِ الَّتِي النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي بَيْتِهَا يَدَ الخَادِمِ، فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ، وَيَقُولُ: ( غَارَتْ أُمُّكُمْ ) ثُمَّ حَبَسَ الخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ المَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ".

ومِن هنا نعلم: لماذا تفشل كثيرٌ مِن العلاقات الزوجية، والتي قد يرجع السبب فيها غالبًا إلى الزوج الذي لا يتعامل مع زوجته على مقتضى هذه الخلقة والفطرة، فينسى نفسه، ويظن أنه يتعامل مع رجل مثله فينتظر كمال العقل والسؤدد والحكمة، وهذا لا شك إن حدث في بعض الأوقات؛ فلن يسلم له في أحوالٍ أخرى كثيرة.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة