مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (54) آيات من القرآن في ذم القسوة (32)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ . اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (الحديد:16-17) .
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في حياة الفرح والسرور بعد أن بيَّن أن طريقها يبدأ بمعرفة الله، وحصول شواهد الآخرة في القلب، والزهد في الدنيا والتوبة، وفعل المأمورات الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات الظاهرة والباطنة، وحب الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومطالعة سنته وسيرته، وفهم القرآن وتدبره والعمل بما فيه، ومشاهدة صفات الله -عز وجل- كأنه يراها.
قال -رحمه الله-: "فإذا رسخ قلبُه في ذلك؛ شهد الصفة المُصَحِّحَة لجميع صفات الكمال؛ وهي الحياة التي كمالها يستلزم كمال السمع والبصر، والقدرة والإرادة، والكلام، وسائر صفات الكمال لله -عز وجل-، وصفة القيُّومية الصحيحة المُصَحِّحَة لجميع الأفعال، فالحي القيوم: مَن له كل صفة كمال، وهو الفعَّال لما يريد.
فإذا رسخ قلبه في ذلك: فُتِح له مشهد القرب والمعيِّة؛ فيشهده -سبحانه- معه، غير غائب عنه، قريبًا غير بعيد؛ مع كونه فوق سماواته على عرشه، بائنًا من خلقه، قائمًا بالصنع والتدبير، والخلق والأمر؛ فيحصل له مع التعظيم والإجلال الأنسُ بهذه الصفة؛ فيأنس به بعد أن كان مستوحشًا، ويقوى به بعد أن كان ضعيفًا، ويفرح به بعد أن كان حزينًا، ويجد بعد أن كان فاقدًا؛ فحينئذٍ يجد طعم قوله: ( وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ ) (رواه البخاري) .
فأطيب الحياة على الإطلاق حياة هذا العبد؛ فإنه محب محبوب، متقرب إلى ربه، وربُّه قريب منه، قد صار له حبيبُه -لِفَرْطِ استيلائه على قلبه، ولَهْجِه بذكره، وعكوف همته على مرضاته- بمنزلة سمعه وبصره ويده ورجله، وهذه آلات إدراكه وعمله وسعيه، فإن سَمِع سَمِع بحبيبه، وإن أبْصَر أبْصر به، وإِنْ بَطَش بَطَش به، وإِنْ مشى مشى به.
فإن صَعُبَ عليك فَهْمُ هذا المعنى، وكون المحب الكامل المحبة يسمع ويبصر، ويبطش، ويمشي بمحبوبه، وذاتُه غائبةٌ عنه؛ فاضْرب عنه صفحًا، وخَلِّ هذا الشأن لأهله.
فإِنَّ السالك إلى ربه لا تزال همتُه عاكفة على أمرين: استفراغ القلب في صدق الحب، وبذل الجهد في امتثال الأمر، فلا يزال كذلك حتى يبدو على سره شواهد معرفته، وآثار صفاته وأسمائه، ولكن يتوارى عنه ذلك أحيانًا، ويبدو أحيانًا، يبدو من عين الجود، ويتوارى بحكم الفَتْرة (أي: الفتور)، والفترات أمر لازم للعبد، فكل عامل له شِرَّة، ولكل شِرَّة فَتْرة، فأعلاها فترة الوحي؛ وهي للأنبياء، وفترة الحال الخاص للعارفين، وفترة الهمة للمريدين، وفترة العمل للعابدين، وفي هذه الفترات أنواع من الحكمة والرحمة، والتعرُّفات الإلهية، وتعريف قدر النعمة، وتجديد الشوق إليها، ومحض التواجد إليها، وغير ذلك.
ولا تزال تلك الشواهد تتكرر وتتزايد، حتى تستقر، وينصبغ بها قلبه، وتصير الفترة غير قاطعة له؛ بل تكون نعمة عليه، وراحة له، وترويحًا وتنفيسًا عنه.
فَهِمَّةُ المُحب إذا تعلقت روحُه بحبيبه، عاكفًا على مزيد محبته، وأسباب قوتها؛ فهو يعمل على هذا، ثم يترقى منه إلى طلب محبة حبيبه له، فيعمل على حصول ذلك، ولا يُعْدَمُ الطلب الأول، ولا يفارقه البتة؛ بل يندرج في هذا الطلب الثاني (أي: محبة الله لعبده يندرج فيها محبة العبد لربه)، فتتعلق همته بالأمرين جميعًا، فإنه إنما يحصل له منزلة: ( كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ) بهذا الأمر الثاني، وهو كونه محبوبًا لحبيبه، كما قال في الحديث: ( فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ ) إلخ، فهو يتقرب إلى ربه حفظًا لمحبته له، واستدعاء لمحبة ربه له.
فحينئذٍ يشد مئزر الجد في طلب محبة حبيبه له بأنواع التقرب إليه؛ فقلبه: للمحبة والإنابة، والتوكل والخوف والرجاء، ولسانه: للذكر وتلاوة كلام حبيبه، وجوارحه: للطاعات؛ فهو لا يفتر عن التقرب مِن حبيبه.
وهذا هو السير المُفْضي إلى هذه الغاية التي لا تُنَال إلا به، ولا يُتَوصل إليها إلا من هذا الباب، وهذه الطريق، وحينئذٍ تُجْمَع له في سيره جميع متفرقات السلوك من الحضور والهيبة، والمراقبة، ونفي الخواطر -(أي: خواطر السوء، والتخلص منها)- وتخلية الباطن -(أي: تخليته من شواغل الدنيا وتفريغه لعبادة الله وحده)-.
فإن المحب يشرع أولًا في التقربات بالأعمال الظاهرة، وهي ظاهر التقرب، ثم يترقى من ذلك إلى حال التقرب، وهو الانجذاب إلى حبيبه بكليته؛ بروحه وقلبه وعقله وبدنه، ثم يترقى من ذلك إلى حال الإحسان؛ فيعبد الله كأنه يراه؛ فيتقرب إليه حينئذٍ من باطنه بأعمال القلوب؛ من المحبة والإنابة، والتعظيم والإجلال والخشية؛ فينبعث حينئذٍ مِن باطنه الجود ببذل الروح، والجود في محبة حبيبه بلا تكلف، فيجود بروحه ونفسه، وأنفاسه وإرادته، وأعماله لحبيبه حالًا لا تكلفًا، فإذا وجد المحب ذلك فقد ظَفَر بحال التقرب وسره وباطنه، وإن لم يجده فهو يتقرب بلسانه وبدنه وظاهره فقط، فليدم على ذلك، وليتكلف التقرب بالأذكار والأعمال على الدوام، فعساه أن يحظى بحال القرب.