شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (54) آيات من القرآن في ذم القسوة (32)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

ووراء هذا القرب الباطن أمر آخر أيضًا، وهو شيء لا يُعَبَّر عنه بأحسن من عبارة أقرب الخلق إلى الله -صلى الله عليه وسلم- عن هذا المعنى، حيث يقول حاكيًا عن ربه -تبارك وتعالى-: ( إِذَا تَقَرَّبَ عَبْدِي مِنِّي شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا - أَوْ بُوعًا - وَإِذَا أَتَانِي يَمْشِي، أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ) (متفق عليه) ، فيجد هذا المحب في باطنه ذوق معنى هذا الحديث ذوقًا حقيقيًّا.

فذكر مِن مراتب القرب ثلاثة، ونبَّه بها على ما دونها وما فوقها؛ فذكر تقرب العبد إليه بالشبر، وتقربُه -سبحانه- إلى العبد ذراعًا، فإذا ذاق العبد حقيقة هذا التقرب انتقل منه إلى تقرب الذراع، فيجد ذوق تقرب الرب إليه باعًا؛ فإذا ذاق حلاوة هذا القرب الثاني أسرع المشي حينئذٍ إلى ربه؛ فيذوق حلاوة إتيانه إليه هرولة، وهاهنا منتهى الحديث، مُنبهًا على أنه إذا هرول عبده إليه كان قرب حبيبه منه فوق هرولة العبد إليه، فإما أن يكون قد أمسك عن ذلك لعظيم شاهد الجزاء، أو لأنه يدخل في الجزاء الذي لم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر، أو إحالةً له على المراتب المتقدمة، فكأنه قيل له: "وقس على هذا"؛ فعلى قدر ما تبذل منك مُتقربًا إلى ربك؛ يتقرب إليك ربك بأكثر منه -(وهذا هو الصحيح في معنى الحديث)-، وعلى هذا؛ فلازم هذا التقرُّب المذكور في مراتبه؛ أي: مَن تقرَّب إلى حبيبه بروحه وجميع قواه، وإرادته، وأقواله وأعماله؛ تقرَّب الربُّ منه -سبحانه- بنفسه في مقابلة تقرب عبده إليه.

وليس القرب في هذه المراتب كلها قرب مسافة حسية ولا مماسة؛ بل هو قرب حقيقي، والربُّ -تعالى- فوق سماواته على عرشه، والعبد في الأرض، وهذا الموضع هو سر السلوك، وحقيقة العبودية، وهو معنى الوصول الذي يدندن حوله القوم، ومِلَاكُ هذا الأمر هو قصد التقرب أولًا، ثم التقرب ثانيًا، ثم حال القرب ثالثًا، وهو الانبعاث بالكلية إلى الحبيب.

وحقيقة هذا الانبعاث: أن تفنى بمراده عن هواك، وبما منه عن حظك؛ بل يصير ذلك هو مجموع حظك ومرادك، وقد عرفت أن مَن تقرب إلى حبيبه بشيء من الأشياء جُوزِي على ذلك بقربٍ هو أضعافه، وعرفت أن أعلى أنواع التقرب تقرُّب العبد بجملته بظاهره وباطنه وبوجوده إلى حبيبه، فمن فعل ذلك فقد تقرب بكله، ولم تبقَ منه بقية لغير حبيبه، كما قيل:

لَا كَانَ مَنْ لِسِوَاكَ فِيهِ بَقِيَّةٌ يَجِدُ السَّبِيلَ بِهَا إِلَيْهِ العُذَّلُ

وإذا كان المُتقرِّبُ إليه بالأعمال يُعطَى أضعاف أضعاف ما تَقرَّبَ به؛ فما الظن بمَن أُعطي حال التقربِ وذوقَه ووجْدَه؟ فما الظن بمَن تقرَّب إليه بروحه وجميع إرادته وهمته وأقواله وأعماله؟

وعلى هذا فكما جاد لحبيبه بنفسه؛ فإنه أهل أن يُجَاد عليه، بأن يكون ربه -سبحانه- هو حظه ونصيبه؛ عوضًا عن كل شيء جزاءً وفاقًا، فإن الجزاء من جنس العمل، وشواهد هذا كثيرة:

منها: قوله -تعالى-: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) (الطلاق:2-3) ، ففرَّق بين الجزاءين كما ترى، وجعل جزاء المتوكل عليه كونه -سبحانه- حسبه وكافيه.

ومنها: أن الشهيد لما بذل حياته لله أعاضه الله -سبحانه- حياة أكمل منها عنده في مَحَلِّ قُرْبِهِ وكرامته.

ومنها: أن مَن بذل لله شيئًا أعاضه الله خيرًا منه.

ومنها: قوله -تعالى-: ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ) (البقرة:152) .

ومنها: قوله في الحديث القدسي: ( فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ ) (متفق عليه) .

ومنها: قوله: ( وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا ) (متفق عليه) .

فالعبد لا يزال رابحًا على ربه أفضل مما قدم له، وهذا المُتقرِّب بقلبه وروحه وعمله يفتح عليه ربُّه بحياة لا تشبه ما الناس فيه من أنواع الحياة؛ بل حياة مَن ليس كذلك بالنسبة إلى حياته؛ كحياة الجنين في بطن الأم بالنسبة إلى حياة أهل الدنيا ولذتهم فيها؛ بل أعظم من ذلك.

فهذا نموذج من بيان شرف هذه الحياة وفضلها، وإن كان علم هذا يوجب لصاحبه حياة طيبة؛ فكيف إن انصبغ القلب به، وصار حالًا ملازمًا لذاته؟ فالله المستعان.

فهذه الحياة: هي حياة الدنيا ونعيمها في الحقيقة؛ فمَن فقدها ففقده لحياته الطبيعية أولى به، فلا عيش إلا عيش المحبين الذين قَرَّتْ أعينهم بحبيبهم، وسكنت نفوسهم إليه، واطمأنت قلوبهم به، واستأنسوا بقربه، وتنعموا بحبه، ففي القلب فاقة لا يسدها إلا محبة الله والإقبال عليه والإنابة إليه، ولا يُلَمُّ شعثُه بغير ذلك البتة، ومَن لم يظفر بذلك؛ فحياته كلها هموم وغموم، وآلام وحسرات، فإنه إن كان ذا همة عالية تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، فإن همته لا ترضى فيها بالدون، وإن كان مَهينًا خسيسًا؛ فعيشه كعيش أخس الحيوانات، فلا تقر العيون إلا بمحبة الحبيب الأول.

نَقِّلْ فُؤَادَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الهَوَى مَـا الــحُــبُّ إِلَّا لِـلـحَــبِـيـبِ الْأَوَّلِ

كَـــــمْ مَــــنْزِلٍ فِي الْأَرْضِ يَــأْلَفُهُ الـفَـتَــى وَحَنِينُهُ أَبَدًا لِأَوَّلِ مَنْــزِلِ

انتهى كلام ابن القيم -رحمه الله-.

الصفحة السابقة