شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لحظة... قبل أن تطلق! (3)

وائل عبد القادر • المرأة والأسرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

القاعدة الثالثة: أن يُقْسِط الزوج من نفسه:

فالزوج في حال غضبه مِن زوجته وحنقه عليها، إن لم يكن صاحب دين وتقوى؛ جار عليها، وبخس بعض أو كل حقوقها، وتغافل عما تحْمِله من المحاسن، مُسلِّطًا الضوء على ما يعيبها فقط، والله -تعالى- يقول: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (المائدة:8) ، وقال -عز وجل-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) (النساء:135) ، وقد أرشد القرآن ودلت السُّنة عما يسلكه الزوج في هذه الحالة، فقال -تعالى-: ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ) (النساء:19) .

فندبت الآية إلى إتباع الآتي:

أولًا: إحسان معاشرة الزوج لزوجته، وذلك بالتحبب والتودد إليها كي تستقيم الحياة الزوجية، وأن يتكلف هذا الحب ويبالغ فيه ولو بالكذب، فهذا مِن مواطن الرخصة فيه، وهذا كله قاعدة مهمة وفعّالة في استقامة واستقرار واستمرار الحياة الزوجية.

ورضي الله عن فاروق هذه الأمة المُلْهَم حين جاءته امرأة تشتكي من عدم حبها لزوجها، حيث أجابها بكلمات توزن بقناطير الذهب فقال: "إِذَا كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ لَا تُحِبُّ أَحَدَنَا فَلَا تُخْبِرْهُ بِذَلِكَ، فَإِنَّ أَقَلَّ الْبُيُوتِ مَا بُنِيَ عَلَى الْمَحَبَّةِ، وَإِنَّمَا يَتَعَاشَرُ النَّاسُ بِالْحَسَبِ وَالْإِسْلَامِ"، أَيْ: إِنَّ حَسَبَ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ وَشَرَفَهُ إِنَّمَا يُحْفَظُ بِحُسْنِ عِشْرَتِهِ لِلْآخَرِ، وَكَذَلِكَ الْإِسْلَامُ يَأْمُرُهُمَا بِأَنْ يَتَعَاشَرَا بِالْمَعْرُوفِ" (تفسير المنار) .

ثانيًا: ندبت الآية إلى احتمال المرأة والصبر عليها، ولو رأى منها ما يكره في خَلق أو خُلُق طالما لم يصل إلى حدِّ الفاحشة أو النشوز.

قال القرطبي -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: ( فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ ): "أَيْ: لِدَمَامَةٍ أَوْ سُوءِ خُلُقٍ مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ فَاحِشَةٍ أَوْ نُشُوزٍ، فَهَذَا يُنْدَبُ فِيهِ إِلَى الِاحْتِمَالِ؛ فَعَسَى أن يؤول الْأَمْرُ إِلَى أَنْ يَرْزُقَ اللَّهُ مِنْهَا أَوْلَادًا صالحين... قُلْتُ: وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى: مَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ ) أَوْ قَالَ: ( غَيْرُهُ ). الْمَعْنَى: أَيْ: لَا يُبْغِضْهَا بُغْضًا كُلِّيًّا يَحْمِلُهُ عَلَى فِرَاقِهَا. أَيْ: لَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ، بَلْ يَغْفِرُ سَيِّئَتَهَا لِحَسَنَتِهَا وَيَتَغَاضَى عَمَّا يَكْرَهُ لِمَا يُحِبُّ. وَقَالَ مَكْحُولٌ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَسْتَخِيرُ اللَّهَ -تَعَالَى- فَيُخَارُ لَهُ، فَيَسْخَطُ عَلَى رَبِّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فَلَا يَلْبَثُ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْعَاقِبَةِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ خِيرَ لَهُ".

وقال ابن الجوزي في تفسيره: (زاد المسير)، والخطيب الشربيني فى تفسيره (السراج المنير): "بيَّنت الآية: جواز إمساك المرأة مع الكراهة لها، ونبَّهت على معنيين:

أحدهما: أن الإنسان لا يعلم وجوه الصلاح؛ فرب مكروهٍ عاد محمودًا، ومحمودٍ عاد مذمومًا.

والثاني: أن الإنسان لا يكاد يجد محبوبًا ليس فيه ما يكره، فليصبر على ما يكره لما يحب".

القاعدة الرابعة: التدرج في تقويم النساء:

قال الله -تعالى-: ( وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ) (النساء:34) .

هذه الآية الكريمة تبيِّن مراحل الإصلاح عند نشوز المرأة، وذلك على الترتيب الموجود بها حتى تؤتي ثمرتها المرجوة، والنشوز هو: الارتفاع. والمعنى: أن المرأة ترتفع على أوامر زوجها فلا تطيعه فيما أمرها به من المعروف، ولا تنتهي عما نهاها عنه من المنكر.

فأول مراحل التقويم هي: العظة والإرشاد. أي: التذكير بالله -عز وجل- بالترغيب فيما عنده من ثواب إن هي أطاعت زوجها في المعروف، والتخويف بما لديه من عقاب إن هي عصته ونشزت عليه، ويعرفها بما يجب عليها من حسن الأدب فى العشرة بينهما، والوفاء بزمام الصحبة والقيام بحقوق الطاعة للزوج والاعتراف بالدرجة التي له عليها، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ، وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا لِمَا عَظَّمَ اللَّهُ عَلَيْهَا مِنْ حَقِّهِ ) (رواه ابن حبان، وقال الألباني: "حسن صحيح") ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خُمُسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَصَّنَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ بَعْلَهَا دَخَلَتْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَتْ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

الصفحة التالية