لحظة... قبل أن تطلق! (3)
وائل عبد القادر • المرأة والأسرة
وعَنِ الْحُصَيْنِ بْنِ مِحْصَنٍ: أَنَّ عَمَّةً لَهُ أَتَتِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي حَاجَةٍ، فَفَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَذَاتُ زَوْجٍ أَنْتِ؟ ) قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: ( كَيْفَ أَنْتِ لَهُ؟ ) قَالَتْ: مَا آلُوهُ إِلَّا مَا عَجَزْتُ عَنْهُ. قَالَ: ( فَانْظُرِي أَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
فاذا لم تفلح هذه المرحلة، انتقل إلى أسلوب الهجر: ( وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ )، فإن الهجر في المضجع قد يؤثِّر في المرأة بما لا يؤثره الضرب؛ فالمرأة الصالحة يزعجها هجر زوجها لها، فإنها تحس أنها غير مرغوبة من زوجها، فلا تنشغل إلا بالتفكير في حالها وما آل إليه، فتنزجر بهجره، وترتدع بتركه لها، وهو علاج له تأثيره النفسي، وبه تعلم المرأة مدى تأثر الزوج بنشوزها، فتعود عن غيها وتطاولها.
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: ( وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ ): يوليها ظهره في فراشه.
وقيل: ينفرد عنها بفراش داخل البيت. وقيل: يهجرها خارج البيت، وعلى ذلك جَرَت الأدلة والجمع بينها كما قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "إن ذلك يختلف باختلاف الأحوال".
فإن لم ينجع الهجر في ردها عن غيها ونشوزها، انتقل الزوج إلى الضرب، وهو مقيَّد بأن يكون ضرب تأديب غير مبرِّح، فلا يكسر عظمًا ولا يتلف عضوًا، ولا يترك أثرًا، ويتجنب الوجه والمقاتل، ولا يكرر الضرب على العضو الواحد فيؤذيه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ، أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ) (رواه مسلم) .
قال الدكتور محمد إسماعيل المقدم -حفظه الله- تحت عنوان: "الطريقة الفضلى: عدم ضرب النساء البتة: اعلم -أصلحك الله-: أن الأَوْلَى والأفضل ترك الضرب مع بقاء الرخصة فيه بشرطه، فقد اتفق العلماء على أن ترك الضرب، والاكتفاء بالتهديد أفضل" (المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية) .
قلتُ: وخاصة إذا علمنا أن الرجل حين يضرب امرأته في حال الغضب غالبًا ما يتجاوز حدود الضرب المباح، فيشج رأسها أو يدمي عضوًا لها أو يترك أثرًا على الجلد ونحوه، فتظل تذكره المرأة كلما رأته، فيستمر حنقها وبغضها لزوجها، فعندئذٍ قد يتدخل أهلها لنصرتها وتتسع رقعة الخلاف، وينفث الشيطان سمومه وتتعقد الأمور ولا تنحل. فكان الأجدر والأولى بالزوج ترك الضرب؛ لما قد يتركه من آثار سيئة فى العلاقة مع زوجته.
أخرج أبو داود وغيره عَنْ إِيَاسِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهِ ) قَالَ: فَذَئِرَ النِّسَاءُ وَسَاءَتْ أَخْلَاقُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ذَئِرَ النِّسَاءُ وَسَاءَتْ أَخْلَاقُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ مُنْذُ نَهَيْتَ عَنْ ضَرْبِهِنَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( فَاضْرِبُوا )، فَضَرَبَ النَّاسُ نِسَاءَهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَأَتَى نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْتَكِينَ الضَّرْبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ أَصْبَحَ: ( لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ اللَّيْلَةَ سَبْعُونَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ يَشْتَكِينَ الضَّرْبَ وَايْمُ اللَّهِ لَا تَجِدُونَ أُولَئِكَ خِيَارُكُمْ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .
فهذا النص وغيره يضبط المرحلة الثالثة -الضرب- الواردة في النص: ( وَاضْرِبُوهُنَّ ) إلى التنفير من الضرب؛ لمدى تأثيره على العشرة المطلوبة؛ ولذا فإن صيغة الأمر هنا ليست من باب الوجوب، وإنما هي من باب الإباحة والإذن، وهذا ما أشار إليه عطاء بقوله: "لا يضربها وإن أمرها ونهاها فلم تطعه، ولكن يغضب عليها"، خاصة إذا علمنا: أن هذا هو خُلُق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث ثَبَت عنه أنه لم يضرب بيده إمرأة قط، فأخرج مسلم عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: "مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ".
وتبقى الرخصة قائمة بضوابطها وقيودها التي ذكرنا كعلاج ودواء لا كانتقام وتشفي من المرأة؛ فيراعي فيه وقته ونوعه، وكيفيته ومقداره، وقابلية المحل، وهو إنما يلجأ إليه عند الضرورة، وهذا أمر ظاهر، فمِن النساء مَن يصلحهن الضرب، ومنهن مَن يرجع ذلك عليهن بالفساد؛ فكل امرأة بحسبها.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.