الفساد (75) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (3) ازدياد تدهور العدالة الاجتماعية (3-3)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتزداد حِدَّة الفقر وأعداد الفقراء في مصر في محافظات الصعيد والمحافظات الحدودية، وتقترب نسبة الفقر في سكان الريف من 52 %؛ لذا فإن الصعيد والريف أماكن طاردة للسكان.
وطبقًا لبحث الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في عام 2019م، فإن محافظة أسيوط هي أكثر المحافظات في مصر فقرًا حيث بلغت نسبة الفقر بين سكانها: 7و66%، تليها سوهاج بنسبة: 64 %، فالأقصر بنسبة: 55 % -ولعلها نتيجة لفترة الكساد السياحي فيها-، فالمنيا بنسبة فقر بلغت: 53 %، وهذه أفقر أربع محافظات في الصعيد، يليها محافظتي الحدود: الوادي الجديد، ومرسى مطروح.
بينما تأتي محافظة البحيرة كأعلى نسبة فقر في وجه بحري بنسبة فقر: 47 %، تليها بقية محافظات الصعيد: أسوان، فقنا، فبني سويف، فالجيزة، بينما تنخفض نسبة الفقر في الفيوم إلى 25 %.
أما أقل المحافظات فقرًا فهي: محافظة بورسعيد بنسبة فقر: 6و7 %، فالغربية بنسبة: 8%، فدمياط والدقهلية فكفر الشيخ، بينما بلغت نسبة الفقر في القاهرة 30% (لذلك كان من الطبيعي أن توجد أفقر القرى المصرية في الصعيد أيضًا ومعها البحيرة، حيث سجلت سوهاج أعلى نسبة من القرى الفقيرة بين قراها بنسبة 87 % بعدد 236 قرية، تليها أسيوط بنسبة 2و66 %، وعدد 207 قرية، ثم المنيا 163 قرية، وقنا 60 قرية. أما البحيرة فقد بلغ عدد القرى الفقيرة بها 155 قرية، أي: أن هذه المحافظات الخمس يوجد بها 921 قرية من قائمة أفقر ألف قرية بنسبة 1و92 % (راجع: الفقراء وعاصفة كورونا، عبد القادر شهيب، ص 55).
و(ليس صعبًا فهم: لماذا استوطن الفقر معظم محافظات الصعيد والمحافظات الحدودية؟ فهي كانت غائبة حتى وقت قريب مضى عن اهتمام الدولة، وجهود الإدارات الحكومية بها على مدار سنوات طويلة؛ ولعل هذا ما جعلها مناطق طاردة للسكان؛ خاصة بعد أن واجهت المناطق الريفية بها مشاكل كبيرة في الزراعة لم تجد لها حلولًا كافية؛ فضلًا عن عدم الاهتمام المناسب بالبنية الأساسية فيها من طرق وطاقة ومياه شرب وصرف صحي، خاصة وأن الحصة التصويتية للصعيد ضئيلة لقلة عدد سكانها على خلاف محافظات الوجه البحري، والدلتا التي أجبرت كثافتها السكانية الإدارات الحكومية على إعطائها قدرًا كبيرًا من الاهتمام يفوق الاهتمام بمحافظات الصعيد والحدود، وإن كان بالطبع يقل عن الاهتمام بالقاهرة (المصدر السابق، ص 56-57) .
و(قد تضاعفت نسبة الفقر في القاهرة خلال ثلاث سنوات مضت حيث ارتفعت من 5و17% عام 2015 م إلى 1و31 %عام 2018م، ولكن ذلك يمكننا تفسيره بأن القاهرة تضم في ذات الوقت النسبة الأكبر من العشوائيات والمناطق الخطرة، وهي مناطق يسكنها في الأغلب فقراء أو مَن يعيشون على هامش خط الفقر، والأغلب أن هؤلاء سقطوا تحت خط الفقر لانخفاض دخولهم بعد تعويم الجنيه المصري، والذي أعقبه انقلاب في معدل التضخم)، (فضلًا عن أن العاصمة تضم أيضًا النسبة الأكبر من موظفي الحكومة الذين عانوا كثيرًا هذا الجنون الذي أصاب أسعار السلع الأساسية خاصة الغذائية، كما يضاف إلى ذلك: أن القاهرة كانت ولا تزال تمثِّل مركز جذب لفقراء المحافظات الأخرى والباحثين معهم عن فرص عمل توفِّر لهم دخولًا مناسبة، وهؤلاء أسهموا بالطبع في زيادة أعداد الفقراء في العاصمة) (المصدر السابق، ص 59 - 60) .
ونظرًا لأن مشكلة الفقر ليست مشكلة طارئة أو مؤقتة، لكنها قديمة ومزمنة، بل وتزايدت في العقدين الأخيرين، وأصبحت تحتاج لمعالجة جادة وحاسمة، فقد صار لدى الدولة في السنوات الأخيرة خطة لمواجهة الفقر وإنقاذ الفقراء بدأ تنفيذ بنودها المختلفة، وربما دفعنا إلى ذلك: أن الإدارة المصرية تبنت خطة صارمة للإصلاح المالي والاقتصادي كانت تحمِّل الفقراء أعباءً كبيرة إضافية، وعانى منها الكثير ممَن يعيشون على هامش خط الفقراء ويصارعون في حياتهم حتى لا يسقطون تحت هذا الخط.
جهود الإصلاح الاقتصادي والمالي:
لقد تولَّدت لدى الدولة في السنوات الأخيرة الإرادة السياسية الجادة في الأخذ بنهج علاج جذري للمشكلة الاقتصادية في مصر بعيدًا عما كان يتبع من نهج إدارة سابق يقوم على التخفيف من حدة الأزمات بتقديم المسكِّنات مع بقاء جذور المشكلة كما هي.
ولقد تضمنت خطة الإصلاح للهيكل الاقتصادي -والتي قطعت فيها الدولة شوطًا طويلًا- التخلص من دعم الطاقة وبعض السلع، وإعادة تسعير الخدمات التي تقدِّمها الحكومة لتصير أسعارًا اقتصادية، أي: تغطي تكلفة إنتاج هذه الخدمات، ثم كان تعويم الجنيه في نوفمبر 2016م الذي كان من شأنه زيادة الأسعار وارتفاع معدل التضخم، حيث انخفضت قيمة الجنيه المصري إلى النصف مرة واحدة في أيام قليلة، وارتفع معدل التضخم ليتضاعف لنحو ثلاثة أضعافه مع بداية عام2017م، وهو ما أدَّي بالطبع إلى تآكل الدخول الحقيقية لفئات اجتماعية عديدة بصورة لا تجد معها ما قدَّمته الحكومة من زيادة في المرتبات وما حققته من نمو في الاقتصاد، فزاد عدد الفقراء، بل ارتفعت نسبة الفقر المدقع من 3و5 % عام 2015 م إلى 2و6 % عام 2018 م) (المصدر السابق، ص 51-52) ؛ ولذلك لزم الأمر مع تنفيذ خطة الإصلاح المالي والاقتصادي وضع خطة موازية لعلاج الآثار الجانبية لها لتخفيف أعبائها على غير القادرين وحماية للفقراء.
تنشيط الاقتصاد المصري:
لقد صاحبت خطة الإصلاح الاقتصادي محاولات لتنشيط الاقتصاد المصري الذي كان يعاني من الركود؛ فتم ضخ استثمارات عامة وحكومية كبيرة ابتداءً من 2015 م لتحقيق زيادة مضطردة في معدل النمو الاقتصادي في ظل تراجع الاستثمارات الخاصة المحلية والأجنبية؛ بسبب الظروف السياسية التي عاشتها البلاد وتوقف استثمارات ومشروعات قائمة، وقد تم توجيه هذه الاستثمارات في مشروعات البنية الأساسية وقطاع التشييد؛ لأنها تعد المشروعات المناسبة لتحريك عجلة الاقتصاد سريعًا، وتسهم في صياغة مناخ أفضل للاستثمار والمستثمرين.