الفساد (76) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (4) إسراف للأثرياء يتنافى مع رفع البلاء (1-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن من سنة الله -تعالى- في خلقه أن يبتليهم ببعض الابتلاءات من وقتٍ لآخر؛ ليختبر إيمانهم به وصدق توكلهم عليه، وقوة صبرهم وتحملهم، وليرى تمسكهم بأحكام دينهم وثباتهم عليها، ومدى إحسان بعضهم إلى بعض في السراء والضراء، قال -تعالى-: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ) (محمد:31) ، وقال -تعالى-: ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) (الأنبياء:35) .
فالابتلاء بمثابة إنذار للناس ليراجعوا أنفسهم، ويراجعوا علاقتهم بربهم، ويظهروا عبوديتهم وتضرعهم إليه، وليقووا علاقة بعضهم ببعض، أي: يرتبوا أولوياتهم مِن جديد، قال -تعالى-: ( وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (الأعراف:168) ، وقال -تعالى-: ( لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (الروم:41) ، وقال -تعالى-: ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ) (الأعراف:94) .
وقد جاءت أزمة الحمة التاجية الحالية -أو أزمة فيروس كورونا المستجد- لتكون ابتلاءً عامًّا لم تعرف البشرية مثله من قريب؛ أصاب الحياة على وجه الأرض بشلل عطَّل حركة حياة نصف البشر تقريبًا، فتوقفت معظم الأنشطة المختلفة عن العمل لشهور، وأصاب المرض أكثر من 15 مليون شخص ليجبرهم على الاعتزال التام للحياة لحين الشفاء التام، وأودى بحياة نحو مليون آخرين في شتى بقاع العالم، وتسبب في خسائر مالية فادحة غير مسبوقة أضرت بالاقتصاد العالمي بشكل مفاجئ وسريع، وعصف باقتصاديات دول كثيرة، وأطاح بنموها الاقتصادي، مهددًا الكثير منها بالانهيار وسقوط أنظمتها الحاكمة.
ورغم جهود السياسيين واجتهادات الاقتصاديين وأطروحات المنظمات الدولية ومعوناتها، فما زالت الأزمة في شدتها، ورغم الجهود العلمية الحثيثة للدول المتقدمة علميًّا لتصنيع لقاح أو مصل فعَّال ضد الفيروس المستجد فما زالت الصورة غير واضحة في القدرة على التصدي الناجع للمرض والسيطرة عليه، باستثناء استخدام بلازما المتعافين من المرض على نتائجه المبدئية. ولا شك أن هناك علاجًا فعالًا قادمًا -إن شاء الله-، فلكل داء دواء كما أخبر الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-.
معاني لغوية وطبية:
كلمة (فيروس) في اللغة العربية تعني: (الحُمَة) بميم مفتوحة غير مشددة. وكلمة (كورونا) تعني: التاجي، نسبة إلى التاج، حيث إن فيروس كورونا المستجد يبدو من خارجه على شكل تاج. ففيروس كورونا ترجمته بالعربية (الحمة التاجية). أما مصطلح (كوفيد 19) فهو مِن مقطعين: مقطع (كو) مأخوذ من التاج، ومقطع (فيد) مأخوذ من الفيروس، ورقم 19 يشير إلى عام 2019م، الذي ظهر فيه المرض واكتشف فيه هذا الفيروس المستجد، وذلك في مقاطعة (يوهان) بالصين قبل انتشاره في جميع أنحاء العالم.
وعلم الفيروسات أو: (الفيرولوجي) هو مبحث الحُمَات، بفتح الميم، أي: دراسة الفيروسات. وقد تم إثبات وجود الفيروسات في عام 1892م على يد عالم النبات الروسي د. إيفانوفسكي، الذي وَجَد أن العامل المسبب لمرض فسيفساء التبغ قد ينتقل عبر فلتر الصيني الذي لا يسمح بنفوذ البكتيريا. وكان لظهور المجهر الإلكتروني في أربعينيات القرن العشرين دور في المساعدة على رؤية الفيروسات.
والفيروس: حزمة كيميائية معدية، وتختلف الفيروسات في حجمها من 10 إلى 300 نانومتر، وتحتوي فقط على المواد الوراثية في شكل الحمض النووي (دي إن إيه) أو الحمض النووي الريبي (آر إن إيه).
والفيروسات غير قادرة على العيش المستقل؛ فهي لا تتكاثر إلا عندما تدخل خلية أخرى، مثل: البكتيريا أو الخلية الحيوانية؛ لأنها تفتقر إلى وظائف إصدار الطاقة وتركيب البروتينات، وعندما تدخل الفيروسات الخلية فإنها تخرب استقلاب المضيف ليصبح التكاثر الفيروسي محبذًا لديه.
وضبط الفيروسات عسير؛ لأنه يتطلب اتخاذ إجراءات صارمة للقضاء عليها، ومع ذلك فإن جسم الحيوان استطاع تطوير بعض إجراءات الحماية، مثل: إنتاج الإنترفيرون (مثبط لنمو الفيروسات) والأجسام المضادة الموجهة ضد فيروسات معينة. عندما يصبح عزل العامل المحدد ممكنًا فإنه يمكن تطوير اللقاحات اللازمة له، ولكن بعض الفيروسات تتغير بسرعة هائلة مما يجعل اللقاحات غير فعالة معها) (راجع: "دليل جسم الإنسان" تأليف: ريشارد ووكر، ترجمة: د. عدنان جرجس ط. مؤسسة الكويت للتقدم العلمي ط أولى 2012 م: ص 185- 186) .
والطاعون: داء وبائي سببه مكروب يصيب الفئران، وتنقله البراغيث إلى فئران أخرى وإلى الإنسان، وجمعه: طواعين (انظر المعجم الوجيز) . وهذا هو تفسير الأطباء المعاصرين للطاعون (انظر المعجم الوسيط) ، وراجع: (دليل جسم الإنسان، ص 166) .
ويرى البعض أن الطاعون يرادف الوباء فجعلوه دالًّا على الموت العام كالوباء، فالطاعون يعني الموت بسبب الوباء، راجع: (مختار الصحاح، ولسان العرب) .
وفي الموسوعة البريطانية: (الطاعون: مصطلح كان يُطلق قديمًا على أي مرض واسع الانتشار مسببًا الموت الجماعي، لكنه الآن محصور في حمى معدية من نوع خاص تسببه البكتيريا العصوية التي ينقلها برغوث الفئران) (راجع رسالة: "منهج السنة النبوية في مواجهة الأوبئة"، هدية مجلة الأزهر عدد المحرم 1442 هجريا - أغسطس / سبتمبر2020م، ص 15 - 16) . (والتحقيق: أن أصل الطاعون هو القروح الخارجة في الجسد، والوباء: عموم الأمراض، فسميت طاعونًا لشبهها بالهلاك بذلك، وإلا فكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعون) (المصدر السابق، ص 16) .
الجائحة: المصيبة تحل بالرجل في ماله فتجتاحه كله، ويقال سنة جائحة: جدبة، والجمع: جوائح (انظر المعجم الوجيز) .
من حكم الابتلاء في القرآن الكريم: