الفساد (76) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (4) إسراف للأثرياء يتنافى مع رفع البلاء (1-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
(إن من حكمة تقدير البلاء: أن يعود المخلوق إلى خالقه، وأن يتضرع إلى ربه ومولاه، وأن يراجع نفسه وينظر فيما قدمته يداه من ذنوب وآثام، وسيئات واعتداءات. فالوباء امتحان للناس كي يرجعوا إلى خالقهم ويراجعوا أعمالهم، ولنتأمل قول الله -تعالى-: ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (الروم:41) .
فقد يقدِّر الله -تعالى- بعض البلاء على الإنسان ليعود ويرجع ويتوب ويئوب، قال -تعالى-: ( قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ . وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ) (الزمر:53-55) . إن الله -تعالى- يبتلي الناس بالسراء والضراء؛ لينظر -وهو أعلم- شكرهم وصبرهم، وإيمانهم وكفرهم، ورضاهم وجزعهم، واستسلامهم ورفضهم، فالمحن والبلايا تستخرج مكنون القوى وما عند العبد من طاقة، وتفتح للقلوب منافذ من الخير ما كان لها أن تظهر إلا تحت مطارق الشدائد وسندان المحن.
ومن أسرار البلاء كذلك: الالتجاء إلى الله وحده، حين تضطرب الأوتاد والأسناد كلها، وتتوارى الأوهام وهي شتى، ويخلو القلب إلى الله وحده، فلا يجد سندًا إلا سنده، ولا مخرج ولا فرج إلا من عنده -جلَّ وعلا-.
وتلك وربنا تربية للنفوس في زمن الشدائد لا يعقلها إلا مَن صبر ورجع إلى ربه، أولئك يبشرون بالجزاء الحسن والموعود الجميل في الدنيا قبل الآخرة، قال -تعالى-: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (البقرة: 155-157).
فاللائق بحال المؤمن مع ما يعايشه العالَم مِن وباء مخيف، وبلاء مرعب، وقلق مسيطر؛ الالتجاء إلى الله -تعالى- والتضرع إليه والفزع إليه في كشف الضراء، قال -سبحانه-: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ . فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأنعام:42-43) .
ولا يجدر بالمؤمن في حال الوباء والكرب أن يكون مثل حال مَن لا يؤمن بالآخرة، الذي أخبر عنه القرآن في قوله -تعالى-: ( وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ . وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ . وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ . حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ) (المؤمنون:74-77) (راجع رسالة: "منهج السنة النبوية في مواجهة الأوبئة"، ص 8 -10) .
منهج الإسلام في مواجهة الوباء:
كما أن سنة الله -تعالى- في خلقه أن يبتليهم بالأوبئة، فقد جاء الشرع بمنهج شامل متكامل يتضمن ما ينبغي أن يتحلى به المسلم من عقائد وعبادات وأحكام، وآداب وأخلاق في زمن الأوبئة والابتلاءات، ومنها:
1- التأدب مع الله -تعالى- عند البلاء من خلال الإكثار من الدعاء والتضرع وطلب تفريج الكرب وكشف الغمة، مع القنوت في الصلوات، قال -تعالى-: ( قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ . قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ) (الأنعام:63-64) .
وقد كان من هديه -صلى الله عليه وسلم- القنوت في الصلوات الخمس المكتوبة عند حلول النوازل والشدائد من بلاء أو وباء أو قحط، قال النووي في صحيح مسلم (5/176): (الصحيح المشهور أنه إذا نزلت نازلة كعدو وقحط ووباء وعطش وضرر ظاهر في المسلمين، ونحو ذلك، قنتوا في جميع الصلوات المكتوبة)؛ هذا مع الاستكانة وصدق اللجوء إلي الله والتوكل عليه؛ اقتداءً بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام في أوقات الشدة والابتلاء.
وفي السُّنة الكثير من الأدعية التي ينبغي المداومة والحرص عليها، فمن ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، وَسَيِّئِ الْأَسْقَامِ ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني) . وقوله -صلى الله عليه وسلم- في أذكار المساء: ( أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ) يكررها ثلاثًا. (رواه الترمذي، وصححه الألباني) . وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَيَضُرَّهُ شَيْءٌ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) . وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو عند الكرب: ( لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ) (متفق عليه) .