شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (77) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (5) إسراف للأثرياء يتنافى مع رفع البلاء (2-2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيضم المجتمع الواحد بين أفراده الأغنياء والأثرياء والمقتدرين، وكذلك الفقراء والمساكين والمحتاجين، ويحتِّم هذا التواجد في المجتمع الواحد أن تكون هناك علاقات متشابكة، وتفاعلات بين الجميع، فالإنسان مدني بطبعه، ولا ينبغي أن يعيش الجميع في مجتمعٍ واحدٍ ثم لا يأبه فيه البعض بالآخرين أو ينفصل عنهم في جزرٍ منغلقةٍ، بل لا ينبغي أن يعيش البعض في رغدٍ ونعيمٍ ورفاهيةٍ، وهو يعلم أن معه في نفس المجتمع مَن يعتصره الجوع أو يتلوى مِن الألم، فمجتمع بهذه الكيفية لا يكون مجتمعًا طبيعيًّا سويًّا، بل هو مجتمع تملأه أثرة وأنانية من البعض، تقود حتمًا إلى حقدٍ وكراهيةٍ وبغض من الآخرين، والمحصلة تفكك وتشتت وتفرُّق؛ تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى.

ولذلك تحرص كل الأنظمة في العالم "الاقتصادية منها والاجتماعية" على مراعاة البُعد الاجتماعي في خططها وسياساتها، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتسعى بسبل متعددة لتقليل الفوارق بين طبقات المجتمع، وتقوية الترابط، والتكافل والتضامن والتعاون بين أفراد المجتمع، ومحاربة الفقر والبطالة، وتقديم الخدمات المجانية أو المخفضة لمن يحتاجها ولا يقدر عليها.

ومدار تحقيق ذلك يقوم على مراعاة الأغنياء والأثرياء من رجال الأعمال وغيرهم القيام بمسئوليتهم الاجتماعية تجاه الفقراء والمحتاجين، وهو واجب تمليه عليهم المشاركة والتواجد في مجتمعٍ واحدٍ ينبغي أن يترابط أفراده ليبقى المجتمع مجتمعًا متماسكًا، فلا يتعرض للتمزق والضعف والتفكك، وتتنازعه عوامل الخلل والانحلال.

الإسلام يحمِّل الأغنياء مسئولية اجتماعية:

يحمِّل الإسلام أفراد المجتمع الأغنياء والأثرياء المسئولية الاجتماعية بصورة واضحة وقوية لا مواربة فيها، والنصوص الشرعية التي توجب ذلك كثيرة جدًّا ومتنوعة، حيث يدين الإسلام الأغنياء والأثرياء أشد إدانة إن قصَّروا في مسئوليتهم الاجتماعية، وإن كانوا في أنفسهم صالحين؛ فما بالك إن قصَّروا فيها وهم فاسدون مفسدون؟!

وليس أدل على ذلك مِن إيجاب الإسلام إخراج الزكاة المفروضة على الأموال بأنواعها، واعتبارها حقًّا للفقراء والمساكين في أموال الأغنياء يلزمهم بذلها لهم بنفس راضية بضوابطها وأحكامها.

وللأسف فنحن نفتقد إخراج هذه الزكاة في أيامنا هذه؛ وإلا ما كان هذا حالنا الذي وصلنا إليه، وصدق مَن قال إن وجدت في المجتمع تزايد في الفقر والفقراء فتأكد أن هناك تقصيرًا كبيرًا من الأغنياء في إخراج زكاتهم لمستحقيها، وهو واقع مشاهد معلوم لا ينكر.

الضرائب ليست بديلًا عن الزكاة:

يظن البعض إن ما تحصِّله الدولة اليوم مِن ضرائب متنوعة على الأموال هي بديل يغنيه عن إخراج الزكاة الواجبة عليه شرعًا، وهذا خطأ شنيع!

فشتان ما بين الزكاة التي أوجبها الإسلام والضرائب التي تحصلها الدولة من مواطنيها:

- فليس للضرائب نصاب ثابت كالزكاة.

- والضرائب بأنواعها تؤخذ من الجميع لا من الأغنياء فقط، وإن كانت بنسبٍ متفاوتةٍ.

- ومصارف الزكاة محددة بالشرع بينما الضرائب تصرف في المصالح العامة للدولة.

- والزكاة عبادة، بل أحد أركان الإسلام الخمسة، والضرائب ليست من هذا القبيل؛ فإن الضريبة فريضة إلزامية تحددها الدولة من خلال قوانين يقرها مجلس الشعب، تؤخذ قصرًا ويعاقَب الممتنع عن دفعها لتغطية النفقات العامة للدولة من مرافق وخدمات. والضرائب متنوعة ومتعددة، منها: ضرائب مباشرة، ومنها غير مباشرة، ومنها ما لا يرتبط بقدرة الممول على الدفع ومدى يساره بقدر ارتباطها بتحقيق أهداف المجتمع كزيادة الضرائب على المساكن القديمة وتقليلها على المساكن الجديدة؛ لتشجيع إحلال مساكن جديدة بدلًا من القديمة، أو زيادة الضرائب بزيادة أفراد الأسرة للحدِّ من زيادة النسل، وهناك الضرائب التصاعدية التي تُفرض بنسبٍ تتزايد بزيادة قيمة الوعاء الضريبي.

التزامات غير الزكاة:

ومما ورد في الشرع أن على الأغنياء والمقتدرين التزامات أخرى مالية غير الزكاة يقدمونها لمن يحتاجها من الفقراء والمحتاجين، وحتى يتبين لنا ما ينبغي على الأغنياء والقادرين تجاه الفقراء فنسوق بعضًا مما حثَّ عليه الشرع وأمر به -وما سنذكره هو قليل من كثير- مِن وقوف أفراد المجتمع مع بعضهم البعض في أحوال المجتمع العادية، فما بالك في وقت الأزمات والمجاعات والأوبئة والابتلاءات؟!

ففي القرآن الكريم:

قال الله -تعالى-: ( وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ) (البقرة:272) ، وقال -تعالى-: ( وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ) (سبأ:39) ، وقال -تعالى-: ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) (الحشر:9) ، وقال -تعالى-: ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ) (الإنسان:8) ، وقال -تعالى-: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) (المائدة:2) ، وقال -تعالى-: ( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ . وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ) (الضحى:9-10) ، وقال -تعالى-: ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ . فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ . وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ) (الماعون:1-3) .

وفي السنة النبوية:

الصفحة التالية