شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

هل أخطأت هيئةُ كبارِ العلماء في بيانِها حول الإخوان؟!

محمد السعيدي • حدث وتعليق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أثار بيانُ هيئة كبار العلماء والمتضمِّن التَّحذير من جماعة الإخوان المسلمين ووصفهم بالإرهاب كثيرًا من الانطباعات المتفاوتة بين العجب والإعجاب، والنَّقد والتشكيك، وتم طرح عددٍ من الأسئلة من باب التعريض بالبيان ونقده والحمل عليه.

وفيما يلي سوف أُورد بعض ما اطَّلعتُ عليه من أسئلة حول هذا البيان، وأجتهد في مناقشتها، متقدمًا بين يدي ذلك بأمر عظيم وهو وجوب العدل في القول على كل مسلم، وأنَّ الجناية بالقول باب عظيم من أبواب الظلم، والله -تعالى- يقول: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (المائدة: ?) ، فقد قرن -تعالى- الأمر بالشَّهادة بالقسط إلى القيام لله -تعالى- وحده، وأمر بالعدل مع الشَّانئين أصحاب العداوات والبغضاء، وبيَّن أنَّ العدل مع هؤلاء هو علامة التقوى؛ وعليه فلا يحل بحال من الأحول لمن خالف الإخوان أن يظلمهم وأن يفجر في خصومتهم، وفي المقابل لا يحلُّ لمن وَالَى الإخوان ظلمُ مَن خالفهم؛ فظلم الإخوان محرم، وكذلك ظلم هيئة كبار العلماء محرَّم، وظلم الدول التي تجرم الإخوان محرم.

ولو تحرينا العدل وعلمنا أنَّه واجب لكل أحد، وليس من وافقنا وحسب؛ لأفلحنا فلاحًا كبيرا، لكن مأساتنا اليوم هي أننا نستعمل بديلًا عن العدل انحيازنا المسبق لجهة دون أخرى، فمن انحزنا لهم هم أهل الحق ومن سواهم هم أهل الباطل، وهذا ما يورثنا الظُّلم في كلامنا لا لخصومنا وحدهم، بل لمن نواليهم ونتبع خطاهم، وذلك أنَّ تزيين الخطأ لصاحبه والاعتذار والتذرع له هو من عظيم ظُلمه.

وفي هذه المقالة أسأل الله -تعالى- أن يريني الحق حقًّا ويرزقني اتباعه، ويريني الباطل باطلًا ويرزقني اجتنابه.

تساءل بعضهم لامزًا: كيف لم تعرف هيئة كبار العلماء الإخوانَ قبل هذا التاريخ؟

والعدل أن يُقال: إنَّ هيئة كبار العلماء ولجنتها الدائمة ليس لهم من قديمٍ تزكيةٌ مطلقة للإخوان حتى يقال: إنَّ قولهم اليوم مناقضٌ لقولهم بالأمس، فلا أعرف أنَّ الهيئة مجتمعة أو لجنتها الدائمة بصفتهم الاعتبارية أو بصفاتهم الشخصية أطلقوا التَّزكية للإخوان حتى يقال: إنَّهم لم يكونوا يعرفونهم، أو أنَّ البيان الجديد مناقض لِمَا كانت عليه الهيئة؛ وإليك هذا المثال مع التعليق عليه من أجوبة اللجنة الدائمة:

"العنوان: أقرب الجماعات الإسلامية إلى الحق.

السؤال الأول من الفتوى رقم (6250):

س1: في العالم الإسلامي اليوم عدة فرق وطرق، الصوفية مثلًا، هناك جماعة التبليغ، الإخوان المسلمين، السنيين، الشيعة، فما هي الجماعة التي تطبق كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-؟

ج1: أقرب الجماعات الإسلامية إلى الحق وأحرصها على تطبيقه: أهل السنة؛ وهم أهل الحديث، وجماعة أنصار السنة، ثم الإخوان المسلمون.

وبالجملة، فكل فرقة من هؤلاء وغيرهم فيها خطأ وصواب؛ فعليك بالتعاون معها فيما عندها من الصواب، واجتناب ما وقعت فيه من أخطاء، مع التناصح والتعاون على البر والتقوى.

وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (1) .

فالفتوى جعلتهم صفًّا ثانيًا من أهل السنة ومَيَّزَتْهُم عن أهل الحديث وأنصار السنة بأداة العطف ثُمَّ.

وهذه أيضًا فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز فيهم، أُورِدُها مثالًا لرأي أعضاء هيئة كبار العلماء بصفتهم الشخصية: "السؤال: أخ يسأل عن بعض الجماعات الإسلامية، مثل: جماعة التبليغ وجماعة الإخوان المسلمين، ويقول: هل هؤلاء من أهل السنة والجماعة؟

الجواب:

كلهم عندهم نقص، جماعة التبليغ وجماعة الإخوان المسلمين، يجب أن يحاسِبوا أنفسهم وأن يستقيموا على الحق، وأن ينفذوا ما دل عليه الكتاب والسنة، في توحيد الله والإخلاص له، والإيمان به واتباع شريعته، وعلى الإخوان المسلمين وفقهم الله أن يحاسبوا أنفسهم وأن يحكموا شرع الله فيما بينهم، وأن يستقيموا على دين الله: قولا وعملًا وعقيدة، وأن يحذروا مخالفة أمره أينما كانوا، وعلى جماعة التبليغ أيضًا أن يحذروا ما كان يفعله أسلافهم من تعظيم القبور، والبناء عليها، أو جعلها في المساجد، أو دعائها والاستغاثة بها، كل هذا من المنكرات، والاستغاثة بها من الشرك الأكبر، فعليهم أن يحذروا ذلك، لهم نشاط في الدعوة إلى الله، وكثير منهم ينفع الله به الناس، لكن عند أسلافهم عقيدة غير صالحة، فيجب على الخلف أن يتطهروا منها، وأن يحذروا العقيدة الرديئة، وأن يستقيموا على توحيد الله حتى ينفع الله بهم وبجهادهم" (2) .

فواضحٌ أنَّ الشيخ لم يزكِّهم، بل أنحى عليهم باللائمة، وطلب منهم مراجعة أنفسهم وما هم فيه.

إذًا فالهيئة وعلماؤها لم يكونوا يُزكون الإخوان تزكية مطلقة، وكذلك لم يكونوا يسيئون فيهم الحكم أو الظَّن، وذلك لأنَّ الإخوان كسائر الجماعات، بل وسائر الأفراد يتغيرون، فليس كل من يكون ثقةً في أول عهده يبقى كما هو حتى نهايته، وليس كل من يكون غير ثقة في أول عهده يبقى كذلك حتى نهايته، والأمر مثله في الجماعات تتغير بتغير قاداتها وتغير الظروف التي تحيط بها، أو تُظهِر اليوم ما كانت تضمره بالأمس؛ وكذلك لا يمتنع أن تعلم عيبًا غيرَ ظاهر عند فرد أو جماعة، فيمنعك عدم ظهوره واشتهاره من أن تكون أنت المُدلي به، وترجِّح فضل النصح سِرَّا، حتى إذا ظهر وانجلى لم يعد لك بُدٌ من التحذير منه علنًا، وهذا كذلك كائن في الجماعات وفي الأفراد، فليس سترك عيبًا في أحد اليوم مانع لك من التحذير من عيبه هذا غدًا حين يصبح ضرر عدم التحذير أولى بالاتقاء من جلب منفعة الستر، فَيُحمل صمت هيئة كبار العلماء عن التحذير من الإخوان زمنًا طويلًا على أحد هذه المحامل؛ كما أنَّ الإخوان اليوم ليسوا هم من كانوا قبل ثلاثين سنة ولا الأوضاع المحيطة هي الأوضاع، فقد استجدَّ الكثير من الأحداث وتغير كثيرٌ من الناس.

الصفحة التالية