شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

هل أخطأت هيئةُ كبارِ العلماء في بيانِها حول الإخوان؟!

محمد السعيدي • حدث وتعليق

يأتي السؤال التالي: وهو: ما مستند وصف جماعة الإخوان بالإرهاب، مع أن الظاهر لكثيرين من المتابعين أنها هي الجماعة التي وقع عليها الإرهاب؟

فالجواب: أن الهيئة تعني بالإرهاب: العنف المحرَّم شَرْعًا، وعلى ذلك فجماعة الإخوان رائدة في ذلك، وهو منهج لها منذ مؤسسها حسن البنَّا -رحمه الله-، ومن أدلة ذلك قوله في افتتاحية جريدتهم في كلمة طويلة يؤكد فيها على أنَّ العنف والصدام هو المرحلة الثانية التي انتقلوا إليها في التعامل مع الحكام والوزراء والمسؤولين يقول: "فإن أجابوا الدعوة وسلكوا السبيل إلى الغاية آزرناهم، وإن لجأوا إلى المواربة والروغان وتستروا بالأعذار الواهية والحجج المردودة، فنحن حربٌ على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام، ولا تسير في الطريق لاستعادة حكم الإسلام ومجد الإسلام، سنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة معها حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين" (3) .

ولا شكَّ أنَّ ما دعا إليه في هذه الكلمة خروج محرم على الحاكم، وإلقاء بالأَتْبَاع إلى التهلكة، فإن قيل: هو يقصد الإنجليز المحتلين لمصر آنذاك، فيُجاب بأن العبارة عامة يدخل فيها حكام العرب والمسلمين، ولم يرد فيها ذِكر الإنجليز، كما أن له أقوالًا كثيرة على هذا النحو ولا تذكر أن عداءه واستهدافه كان للإنجليز، وفي ذلك بُعْد عن الاستفادة من تجارب الصِّدام مع الحكام طيلة التاريخ الإسلامي من عهد بني أميَّة حتى عصر البنا، وظهر أنَّ الفشل كان نتيجة دعوته إلى الصدام مع الدولة، والتي ذهب هو أول ضحاياها.

وفي أول تجربة لحسن البنا للخروج بتنظيمه خارج مصر قام التنظيم في اليمن بقتل الإمام يحيى لِتَولِيَةِ إمامٍ جديد يميل إلى الإخوان، ولم يتَّبعوا الطرق الشرعية في الإصلاح، مع أنَّها أيسر بكثير من قتل شيخ جاوز الثمانين عاما، وهي الجريمة التي لم تقم لليمن بعدها قائمة، وابتُلي إثرها بالثورات والنزاعات حتى يومنا هذا؛ إلا أنَّ الجماعة لم تستفد من خطأ إقرار العنف في حياة حسن البنا فاستمرت عليه، ورَعَت ما كانوا يُسَمُّونه "التنظيم الخاص" تحت أغطية الكشافة والجوالة والنشاط الرياضي، وحقيقةُ ما يفعلونه: إنشاء جيشٍ داخل الدولة!

يقول "أحمد عادل كمال" -وهو أحد قادتهم القدامى ومؤرخيهم، وله كتاب: "النقط فوق الحروف"-، فيتحدث عن النظام الخاص فيقول: "ولنعد إلى ذكر الجوالة، فما زلت أذكر تلك الطوابير الاستعراضية الضخمة التي كان يتراوح عدد المشتركين فيها بين الستة آلاف والعشرة آلاف جوال، كنا ننتهز الفرص لإجراء هذه الاستعراضات في الشوارع، لم تكن تلك المناسبات مقصودة لذاتها دائمًا، وإنما كانت ذريعة، وكان بيت القصيد إظهار قوة الجماعة، ومظهرها العسكري، ولفت النظر إلى أن الجوالة بالذات هي القوة العسكرية للجماعة، وفي هذا صرف للنظر عن التشكيل الجديد الذي أُعد سرًّا وفي كتمان تام بعيدا عن مظهريات الجماعة وهو: "النظام الخاص"، وسوف نعرض له -إن شاء الله-" (4) .

واستمرت فكرة النظام الخاص حتى بعد الثورة على الملكيَّة التي كان الإخوان من أهم المحرضين عليها، لكنهم رفضوا الحِصة التي أُعطيت لهم في نظام الحكم، وفي هذه المرحلة خَطَّطَ النظام الخاص لأعمال اغتيالات وتفجيرات وحرائق وحرب أهليَّة في مصر، لكن كل ذلك لم يحدث بسبب اكتشاف النظام المصري لهم، فأُخذوا ونُكِّل بهم وحوربت الدعوة الإسلامية في مصر على إثر ذلك بسببهم، وقد سجل ذلك بدقة آخر رئيس لتنظيمهم الخاص: علي عشماوي، في كتابه: "التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين" ، وهو رجل اتهموه هم بالكذب في بداية الأمر؛ لكن كثيرًا من الوقائع التي أثبتها في كتابه شهدت بها مذكرات كُتَّاب آخرين؛ إما بأعيانها أو بجنسها، كما في كتاب عباس السيسي: "في قافلة الإخوان المسلمين" .

وبعد الانقلاب أو الثورة (سمها ما شئت) على حكم الإخوان، أصدر الإخوان بيان "نداء الكنانة"، والذي وقع عليه علماؤهم ومفكروهم في العالم الإسلامي، وأجازوا فيه قتل كل من تعاون مع هذا الانقلاب ليس من العسكريين وحسب، بل من المفتين والإعلاميين والسياسيين، وأكدوا فيه على أنَّ الحكام والقضاة والضباط والجنود والمفتين والإعلاميين والسياسيين، وكل مَن يَثْبُتُ يقينًا اشتراكُهم ولو بالتحريض في انتهاك الأعراض وسفك الدماء البريئة وإزهاق الأرواح بغير حق… حكمهم في الشرع أنهم قتَلةٌ، تسري عليهم أحكام القاتل، ويجب القصاص منهم بضوابطه الشرعية، والله -تعالى- يقول: ( مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ) (المائدة:32) ، وهو بيانٌ وقع عليه أكثر من مائة وخمسين من علماء الإخوان والمتعاطفين معهم، وعدد من المؤسسات العلمية المحسوبة عليهم، وعند صدوره رحَّبت به الجماعة كما رحَّب به موقع حزب الحرية والعدالة.

وهذه الفقرة من البيان وحدها تُعد جريمةً عظيمة؛ فهي تدعو إلى استباحة قتل الحكام في مصر، وفي البلاد التي تعاونت مع الحكم الجديد في مصر، وكذلك القضاة، وأكثر من خمسة ملايين من أفراد الجيش بجميع رُتبهم، وقريبًا منهم من العسكريين في القطاعات الأُخرى، وكذلك قتل كل السياسيين والإعلاميين والمفتين الذين أيَّدوا الثورة أو الانقلاب؛ وأبانت هذه الفقرة خواء هؤلاء المنتسبين للعلم من الأدلة الشرعية على هذا الإفساد، وذلك باستدلالهم بقوله -تعالى-: ( مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ) (المائدة:32) ، دليل عليهم؛ فبأي دليل يحكمون بالقتل على الحاكم المتغلب وقد وجبت له أحكام الولاية؟ وهذا هو اتفاق العلماء من أهل الحديث وأهل الكلام منذ مئات السنين سواء أكان مُحقًا في تغلبه أم غير محق، وذلك صيانة لجماعة الأمة ووحدتها ودمائها وأعراضها من توالي الفتن، وبأي حق شرعي يحكمون بالقتل على الملايين من العسكريين والأكثرية الكاثرة منهم من الذين لم يشاركوا في الإطاحة بالرئيس مرسي؟ وأي فساد أعظم من الحكم بالقتل على كل من كان له رأي يوافق هذا الانقلاب أو الثورة من إعلاميين وسياسيين ومفتين؟

الصفحة السابقة الصفحة التالية