الفساد (78) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (6) عدم الانضباط والفوضى
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن مِن السلبيات التي صار يعاني منها المجتمع المصري: ما انتابه مِن مظاهر عدم الانضباط وصور الفوضى التي يؤرِّخ البعض لبدء ظهورها بتطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي التي انتهجها السادات في النصف الثاني من السبعينيات، والتي أحدثت تراجعًا كبيرًا في السلوكيات والأخلاقيات لم يعهدها المجتمع المصري بهذه الدرجة وهذا الانتشار من قبل، والتي لا تخطئها أي عين، ولا تبعد عن أي أذن مِن ألفاظ أو عبارات غير لائقة أو تصرفات وسلوكيات وأخلاقيات، مبنية على اللامبالاة والإهمال وعدم الشعور بالمسئولية، وعلى الحرص على تقديم المصلحة الفردية على المصلحة العامة، أو على عدم مراعاة لقِيَم وأعراف المجتمع أو عدم الالتزام بقوانين البلاد وتوجيهات المسئولين.
وهذا ما نراه ونلمسه في شوارعنا وميادينا، وفي أسواقنا ووسائل مواصلاتنا، وفي مدارسنا وجامعاتنا، بل في الأماكن الحكومية، وغيرها.
وهي سلبيات يرجعها البعض إلى ظهور طبقة جديدة متزايدة ملكت المال، ولكن غلب عليها ضعف التعليم؛ هذا بالإضافة إلى انتشار الأمية، وتآكل الطبقة الوسطى؛ بالإضافة إلى ما روَّجت له السينما من خلال أفلام العنف والإجرام والمخدرات، وما أفرزته من نماذج سيئة ومسيئة "للشباب خاصة، والمصريين عامة"، إلى جانب فقد الإعلام المصري لدوره وتأثيره في الإصلاح والتوجيه، بل صار الإعلام -خاصة من خلال قنوات الميديا الخاصة- من المساهمين في هذه الفوضى الأخلاقية والسلوكية، وقبل ذلك كله وبعده فهناك ضعف في الوازع الديني عند الكثيرين، وهي سلبيات تنم عن عدم وعي مِن مرتكبيها، وقلة المراقبة والمحاسبة والمعاقبة من المسئولين.
وقد زاد الأمر سوءًا وخطورة ازدياد عدم الانضباط والفوضى مع ظهور أزمة فيروس كورونا؛ إذ إن عواقب عدم الانضباط هنا تتعلق بانتشار وباء يهدد حياة الجميع.
ما الانضباط؟
انضبط، أي: صار مضبوطًا، وضبطه ضبطًا: حفظه بالحزم حفظًا بليغًا، وأحكمه وأتقنه. ويُقال: ضبط البلاد: قام بأمرها قيامًا ليس فيه نقص (انظر: المعجم الوجيز) . وانضبط الجندي: أي: خضع للأوامر. ويُقال: انضبطت الساعة: أي: انتظمت حركتها، وتم إصلاح ما بها مِن خللٍ.
وينقسم الانضباط إلى انضباط عام وانضباط ذاتي.
ويعرف قاموس (كامبردج) الانضباط العام بأنه: (التدريب الذي يجعل الناس أكثر استعدادًا للطاعة، أو أكثر قدرة على التحكم في أنفسهم، ويكون غالبًا في شكل قواعد وعقوبات إذا تم كسر تلك القواعد، أو هو السلوك الناتج عن هذا التدريب)، وبعبارة أخرى: (الانضباط العام: هو ممارسة تدريب الناس على الامتثال للقواعد أو مدونة السلوك باستخدام العقاب لتصحيح العصيان).
أما الانضباط الذاتي: (فهو القدرة على جعل نفسك تفعل أشياء تعرف أنه يجب عليك القيام بها حتى عندما لا ترغب في ذلك) (راجع: مجلة "الصين اليوم" عدد مايو 2020 م، ص: 78) .
فالانضباط بحكم التعريف له علاقة وثيقة بالطاعة والانصياع والتقييد، وينبغي أن يكون هدف الإدارة الحكومية هو استعادة الحالة الأصلية للتوازن النسبي والحفاظ عليها، وهذا يتحقق بتوظيف مبدأ التوسط للتسوية بين جانبين متطرفين؛ هذا التوسط يجب أن يؤدَّى بحيادية وبروح من الاعتدال والتعاون، ومن الضروري اللجوء إلى إجراءات لا تكون لينة للغاية ولا صارمة جدًّا؛ مِن أجل الحفاظ على النظام ومنع مزيدٍ مِن النزاعات (المصدر السابق، ص 79) . والانضباط ليس نقيضًا للحرية كما يظن البعض، وإنما هو نقيض للانحراف والحرية العشوائية والفوضى (المصدر السابق، ص 80) .
قواعد للانضباط في زمن الكورونا:
معلوم أن السلطات التنفيذية في مصر سارعت إلى اتخاذ القرارات المطلوبة لمواجهة انتشار فيروس كورونا من خلال إجراءات احترازية ووقائية، ومراجعة نتائجها كل أسبوعين، ومع تزايد الموجة الأولى من انتشار الفيروس كانت التوجيهات بمنع التجمعات وحظر التجول لعدة ساعات، وتعطيل الدراسة في المدارس والجامعات، وتقليل ساعات العمل في الأماكن الحكومية، وخفض أعداد العاملين فيها، وإيقاف كل رحلات الطيران والسياحة، وتوقف خدمات الفنادق والمقاهي، وخفض ساعات العمل في مصانع وشركات القطاع العام والخاص.
ومع امتداد الأزمة لشهور، ومع السيطرة النسبية على انتشار المرض، ومع الحاجة الملحة لإيقاف نزيف الخسائر الاقتصادية، وضرورة العودة التدريجية لدوران عجلة الحياة والإنتاج؛ اتخذت السلطات إجراءات جديدة للعودة التدريجية للحياة الطبيعية بغرض التعايش مع الفيروس بقدر الإمكان. وخلال تلك الأحداث كانت التوجيهات الدائمة إلى المواطنين بالالتزام بضوابط الوقاية والاحتراز من الإصابة بالمرض أو المساهمة في نشره، وهي ضوابط الغرض منها الحفاظ على حياة الناس بمنع انتشار الفيروس، ومن خلال الإعلام والإجراءات المنفذة على أرض الواقع أصبح الجميع تقريبًا يعرف الكثير مما يجب عليه الالتزام به وعدم الخروج عنه في مواجهة الوباء.
ومن أهم هذه التوجيهات والإجراءات بالطبع:
1- استخدام كمامات تغطي الفم والأنف، وارتداء القفازات الطبية ذات الاستخدام الواحد، مع تجنب ملامسة الفم والأنف بأيدي غير نظيفة.
2- غسل اليدين بالماء والصابون جيدًا من وقتٍ لآخر، خاصة حال الخروج من البيت والعودة إليه، مع مراعاة التنظيف والتطهير المستمر للأسطح الجافة أو الطرية التي يحتاج الناس لملامستها من وقتٍ لآخر، وتجنب ملامسة الأسطح باليد ثم لمس الفم أو الأنف، مع التدريب على الاستعمال الصحيح للمطهرات وبشكل دوري، حيث إن الفيروس سريع الانتشار، وانتشاره يتم من طريقين: الأول مباشر، ويكون عن طريق رذاذ الشخص المصاب، والثاني غير مباشر، ويكون عن طريق لمس الأسطح التي تحمل الفيروس.
3- تجنب أماكن الازدحام والتجمعات حيث تزداد فيها معدلات الإصابة بالفيروس، خاصة في الأسواق والشوارع الرئيسية، ووسائل المواصلات العامة، وملازمة البيت ما أمكن، وقصر الخروج على الأمور المهمة أو التي لا غنى عنها للمعيشة والعمل، مع مراعاة عدم التزاحم في الطوابير والممرات، وعلى البوابات، والمحافظة على التباعد الجسدي بمسافات آمنة.