التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة (2)
عصام حسنين • أطفالنا
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تكلمنا في المقال الأول عن أهمية التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة وتعريفها، ووسائلها، وتكلمنا عن الوسيلة الأولى، وهي: القرآن الكريم، وفي هذا المقال نتكلم -إن شاء الله- عن الوسيلة الثانية، وهي: السُّنة النبوية.
- السُّنة النبوية:
ما جاء به القرآن في البناء الاجتماعي جاءت به السنة النبوية الشريفة؛ لأنها وحي، ومبينة للقرآن العظيم كما قال -عز وجل-: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (النجم:3-4) ، وقال -عز وجل-: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (النحل:44) .
وعن العرباض بنِ ساريةَ -رضي الله عنه- عن النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: ( أَيَحْسَبُ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، قَدْ يَظُنُّ أَنَّ اللهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلَّا مَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ، أَلَا وَإِنِّي ـوَاللهِـ قَدْ وَعَظْتُ وَأَمَرْتُ وَنَهَيْتُ عَنْ أَشْيَاءَ، إِنَّهَا لَمِثْلُ الْقُرْآنِ أَوْ أَكْثَرُ ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) .
والسُّنة النبوية الشريفة تطبيق عملي للقرآن الكريم، كما قالت عائشة -رضي الله عنها- عندما سُئلت عن خُلق النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ الْقُرْآنَ" (رواه مسلم) .
وقد جاءت عنه -صلى الله عليه وسلم- أحاديث، هي أسس وقواعد في التربية الاجتماعية، فمن ذلك:
الأساس الأول: اصطحاب الطفل إلى المسجد:
- فالمسجدُ هو بيت الله في الأرض، وأحبُّ البقاع إليه وخيرُها، وهو: مكانُ العبادةِ، مشتقٌ من السجود، الذي فيه غايةُ الخضوع لله -عزَّ وجلِّ-، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُهَا ) (رواه مسلم) ، ومَن خرج لأداءِ الصلاةِ في المسجدِ فهو زائرُ الله -تعالى-، قال النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: ( مَنْ تَوَضَّأَ في بَيْتهِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أتى الْمَسْجدَ فَهُوَ زَائرُ اللهِ، وَحَقٌّ على الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ الزَّائرَ ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني) .
- وقد أمر الله -تعالى- ببنائها وعمارتها فقال: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ . رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ) (النور:36-37) .
قال العلامة السعدي -رحمه الله-: "أي: يتعبد لله ( فِي بُيُوتٍ ): عظيمة فاضلة، هي أحب البقاع إليه، وهي المساجد. ( أَذِنَ اللَّهُ ) أي: أمر ووصى. ( أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ): هذان مجموع أحكام المساجد، فيدخل في رفعها: بناؤها، وكنسها، وتنظيفها من النجاسة والأذى، وصونها من المجانين والصبيان الذين لا يتحرزون عن النجاسة، وعن الكافر، وأن تصان عن اللغو فيها، ورفع الأصوات بغير ذكر الله. ( وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ): يدخل في ذلك الصلاة كلها؛ فرضها، ونفلها، وقراءة القرآن، والتسبيح، والتهليل، وغيره من أنواع الذكر، وتعلم العلم وتعليمه، والمذاكرة فيها، والاعتكاف، وغير ذلك من العبادات التي تفعل في المساجد" (تفسير السعدي) .
- وقد حثَّنا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- على لزوم المساجد، وحضور مجالس العلم فيها، فقال: ( وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ) (رواه مسلم) .
ولأهميةِ المسجد في الإسلام: بدأ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ببنائه مقدمه المدينة، وقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- يصطحبون أولادهم معهم إلى مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، دلَّ على ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلاَةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ ) (متفق عليه) .
- وربما جاء الحسن والحسين -رضي الله عنهما- إلى المسجد ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخطب؛ فينزل إليه ويحمله؛ فعن عبد الله بن بريدة عن أبيه -رضي الله عنه- قال: خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأقبل الحسن والحسين -رضي الله عنهما- عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل فأخذهما فصعد بهما المنبر، ثم قال: ( صَدَقَ اللَّهُ: ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ) (التغابن:15) ، رَأَيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ )، ثُمَّ أَخَذَ فِي الْخُطْبَةِ. (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
- وربما وثبا على ظهره وهو ساجد -صلى الله عليه وسلم-؛ فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي، فَإِذَا سَجَدَ وَثَبَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَإِذَا مَنَعُوهُمَا أَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ دَعُوهُمَا، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ وَضَعَهُمَا فِي حِجْرِهِ" (رواه ابن خزيمة، وحسنه الألباني) .
وصلّي النبي -صلى الله عليه وسلم- حاملًا أُمامة بنت ابنته زينب -رضي الله عنها-، فعن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَؤُمُّ النَّاسَ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ وَهِيَ ابْنَةُ زَيْنَبَ بِنْتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ أَعَادَهَا" (متفق عليه) .