التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة (2)
عصام حسنين • أطفالنا
- ومن هذه الأحاديث، أخذ العلماء جواز إدخال الصبيان المساجد، ولو كانوا صغارًا يتعثرون في سيرهم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقرَّ ذلك ولم ينكره، بل شرع للأئمة تخفيف القراءة لصياح صبي خشية أن يشق على أهله.
ومِن الحكمة في ذلك: تعويدهم على الطاعة، وحضور الصلاة منذ نعومة أظفارهم؛ فإن لتلك المشاهد التي يرونها في المساجد، وما يسمعونه -مِن قراءة القرآن، والتكبير والتحميد والتسبيح، ورؤية المصلين- أثرًا قويًّا في نفوسهم لا يزول حين كبرهم، ودخولهم في أعباء الحياة.
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: "هل يجوز للرجل أن يذهب إلى المسجد ومعه أطفاله الصغار دون الرابعة؟
فأجاب:
الأطفال الذين دون الرابعة في الغالب لا يحسنون الصلاة؛ لأنه لا تمييز لهم، والسن الغالب للتمييز هو سبع سنين، وهو السن الذي أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن نأمر أولادنا بالصلاة إذا بلغوه، فقال -عليه الصلاة والسلام-: ( مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، وإذا كان هؤلاء الأطفال الذين في الرابعة لا يحسنون الصلاة؛ فلا ينبغي له أن يأتي بهم في المسجد اللهم إلا عند الضرورة، كما لو لم يكن في البيت أحد يحمي هذا الصبي فأتى به معه، بشرط ألا يؤذي المصلين؛ فإن آذى المصلين فإنه لا يأتي به، وإذا احتاج الطفل أن يبقى معه في البيت فليبقَ معه، وفي هذه الحال يكون معذورًا بترك الجماعة؛ لأنه تخلف عن الجماعة لعذرٍ، وهو حفظ ابنه وحمايته" (انتهى من "فتاوى نور على الدرب") .
- ولصيانة المسجد من هذا التخوُّف؛ فعلى الآباء إذا جاءوا بأبنائهم إلى المسجد أن يحثوهم على العناية به، والحفاظ على نظافته واحترامه، ومراعاة الهدوء فيه، وأن يحذروهم من اللعب والعبث بأثاثه وما فيه؛ لأنه بيت الله -تعالى-، ومَن جاءه فهو زائر لله، وحق على المزور أن يكرم الزائر كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإذا كنا نعتني بنظافة بيوتنا، فبيوت الله أحق أن يُعتنى بها، ولا يجوز رفع الصوت فيها، ولا التشويش؛ حتى لا يذهب الخشوع والطمأنينة من قلوب المصلين.
- ولأنه في المسجد يتعرف تدريجيًّا على المجتمع، من ناحية قيمه وعاداته، وأنماط سلوكه وأخلاقياته، وطرق تعامله ومستوياته المختلفة، كما يحدث التفاعل والتعاون بين عموم المسلمين في المسجد بعد صلاتهم، ففيه يلتقي المسلمون كلَّ يومٍ خمس مرَّاتِ، فتتوثقُ بينهم الصلةُ، ويتعاونون فيما بينهم على البر والتقوى.
- وحبذا ثم حبذا لو شاركناه معنا في تنظيف المسجد، وهذا فيه ما فيه مِن تعظيم بيت الله، وتعويده على العمل والبذل لدين الله، والمشاركة المجتمعية مع غيره.
- وبغير المسجد لا يمكن أن يتربي الطفل إيمانيًّا، وأن يتكوّن خُلُقيًّا واجتماعيًّا، ويتعلم أحكام دينه؛ فعلى الوالد أن يحرص على اصطحاب ولده معه إلى المسجد -بشرطه- حرصًا شديدًا، والله المستعان.
وعلى جماعة المسجد أن يحسنوا استقبال الأطفال بوجه طلق وكلمة حانية، وليحذروا من عبارة: (متجيش هنا تاني!)؛ فإنه إن لم يأتِ إلى بيت الله فأين يذهب؟
وقد لا يأتي الطفل إلى المسجد ثانية؛ فمَن يتحمل وزر ذلك؟ بل حُسن الاستقبال وحسن التوجيه، وعسى أن يصلحه الله -تعالى- على يديك.
يتبع -إن شاء الله-.