شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وانتصر المنهج

سعيد السواح • مع الدعاة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الثبات على المنهج حتى الممات؛ لهو انتصار للمنهج وإن قل الأتباع، فغاية الذين كفروا إبعادك عن المنهج والانحراف عنه، فإن أثنوك عن منهج ربك فقد انتصروا، وإن استمسكت بالمنهج حتى الممات ولقاء الحق -سبحانه-؛ فقد انتصر المنهج؛ حتى لو قتلوك وسجنوك، وضربوك ونفوك؛ لأنهم لم يستطيعوا إبعادك عن المنهج، رغم ما معهم من قوةٍ ماديةٍ!

فغلام الأخدود انتصر للمنهج على الرغم من أنهم قتلوه، وقتلوا مَن آمن معه مشن الناس، ولكنه انتصر، وانتصر الأتباع للمنهج بثباتهم على الحق وعدم التفريط فيه حتى خرجت هذه الأرواح الطاهرة الزكية إلى بارئها، وهي مؤمنة لم تفرِّط في توحيدها.

فلتعلم علم اليقين:

أن الحق يعلو ولا يعلى عليه، فالباطل لا يعلو على الحق أبدًا، وإن كان أهل الباطل يعلون في وقتٍ ما على أهل الحق، وهذا كنتيجة لخذلان أهل الحق في نصرتهم للحق الذي معهم، وهذا لا يتم ولا يدوم متى رجع أهل الحق للحق الذي هم عليه، ونصروه بكل ما يملكون مِن أموالٍ وأنفسٍ.

- ( كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (المجادلة:21) .

- ( وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ) (الإسراء:81) .

- ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ) (الأنبياء:18) .

- ( وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) (الشورى:16) .

تساؤلات:

- هل يستطيع رجل واحد أن يُصلح أمة من الناس حادوا عن الطريق وانحرفوا عن صراط ربهم المستقيم؟

- وماذا سيصنع هذا الرجل مع هذا الكم الهائل من الفساد الذي قد أحاط بنا من كل جانب؟

نقول لك:

لا نحتاج إلى النظرة التشاؤمية ولا نحتاج إلى النفسية الانهزامية، فنفسية المؤمن نفسية تفاؤلية، نفسية مستعلية: ( وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (آل عمران:139) .

في بداية الكلام والحوار أروي لك رواية عن عائشة -رضي الله عنها-: أنَّ رجلاً مِنْ أصْحابِ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جلسَ بينَ يديْهِ، فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يَكْذِبُونَنِي وَيَخُونُونَنِي وَيَعْصُونَنِي، وَأَضْرِبُهُمْ وَأَسُبُّهُمْ، فَكَيْفَ أَنَا مِنْهُمْ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( يُحْسَبُ مَا خَانُوكَ وَعَصَوْكَ وَيُكَذِّبُونَكَ وَعِقَابُكَ إِيَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ دُونَ ذُنُوبِهِمْ كَانَ فَضْلًا لَكَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كَانَ كَفَافًا، لَا لَكَ وَلَا عَلَيْكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ فَوْقَ ذُنُوبِهِمْ، اقْتُصَّ لَهُمْ مِنْكَ الْفَضْلُ الَّذِي بَقِيَ قِبَلَكَ ) فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَبْكِي بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَيَهْتِفُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَا لَهُ؟ مَا يَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ: ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) (الأنبياء:47) ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَجِدُ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ فِرَاقِ هَؤُلَاءِ -يَعْنِي عَبِيدَهُ- إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ كُلُّهُمْ. (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

انظر كيف أرشده النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لو نظر وتأمل في كتاب ربه لرأى إجابة ما يسأل عنه؛ لنتعلم مِن ذلك: ألا نفرِّط في كتاب ربنا العلي العظيم، فكل ما نحتاج إليه كإجابات على أسئلتنا وكتشخيص لواقعنا، وحل لمشكلاتنا؛ نجده في كتاب الله -تعالى-، ونجد الإجابة الشافية الكافية جلية واضحة في كتاب ربنا.

إجابة التساؤلات:

- نقول: وهل رُسل الله إلى قومهم ما هم إلا رجال أُرسلوا فرادى إلى قومهم: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) (النحل:36) .

- ( وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْـرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ ) (الأعراف:65) .

- ( وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) (الأعراف:73) .

- ( وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) (الأعراف:85) .

فهل كان هود أو صالح أو شعيب -عليهم السلام- إلا أفرادًا فرادى أُرسلوا إلى قومهم في دعوة للإصلاح ومحاربة الفساد والقضاء عليه؟

وانظر إلى ثمود قوم صالح -عليه السلام- ماذا قالوا له في مقابلة دعواه لهم لعبادة الله الواحد وترك ما هم عليه من فساد؟! ( فَقَالُوا أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ . أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ . سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنْ الْكَذَّابُ الأَشِرُ ) (القمر:24-26) .

نموذج لرجل واجه قومه بمفرده:

إبراهيم -عليه السلام- الذي قال الله عنه آمرًا إيانا أن نتبع نهجه ومنهجه: ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ . ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ) (النحل:120-123) .

الصفحة التالية