مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (58) أحاديث في ذمِّ القَسْوة والعنف، والغلظة والغضب، ومدح الرفق واللين (4)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" (متفق عليه) .
ومعنى هذا الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يمثل للصحابة -بفعله- مثل ما فعل ذلك النبي؛ ليقرب لهم الصورة، فيمسح عن وجهه كأنما يمسح الدم عن وجهه كما فعل ذلك النبي.
قال ابن حجر -رحمه الله-: "لم أقف على اسم هذا النبي صريحًا، ويُحتمل أن يكون هو نوح -عليه السلام-، فقد ذكر ابن إسحاق في "المبتدأ"، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسير سورة الشعراء من طريق بن إسحاق قال: حدثني مَن لا أتهم عن عبيد بن عمير الليثي أنه بلغه أن قوم نوح كانوا يبطشون به؛ فيخنقونه حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. قلتُ: وإن صح ذلك فكأن ذلك كان في ابتداء الأمر، ثم لمَّا يئس منهم؛ قال: ربِّ لَا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِن الكَافِرين دَيَّارًا" ( قلتُ: لا يصح أثر أن النبي هو نوح -عليه السلام-؛ لأن الحديث فيه مجهول، وعبيد بن عمير ذكره بلاغًا)، وقد ذكر مسلم بعد تخريج هذا الحديث، حديث: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال في قصة أُحُد: كيف يُفلح قوم دمَّوْا وجه نبيهم -صلى الله عليه وسلم-؟! فأنزل الله: ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) (آل عمران:128) ، ومِن ثّمَّ قال القرطبي: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الحاكي والمحكي ما سيأتي. وأما النووي فقال: هذا النبي الذي جَرَى له ما حكاه النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن المتقدمين، وقد جرى لنبينا نحو ذلك يوم أُحُد" (انتهى من فتح الباري) .
وأما الدعاء بالمغفرة لقوم كافرين؛ فهذا حال حياتهم، ويعني: أن يهديهم الله إلى الإسلام؛ لأنه لا يغفر الشرك، ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) (النساء:48) .
فبلغ الحِلْم مبلغه؛ إذ آذوه وأدموه، وضربوه ضربًا مبرِّحًا؛ ومع ذلك يدعو لهم بالهداية، حتى يغفر لهم ما يصنعون، ونظير ذلك قول الله -سبحانه وتعالى- عن مؤمن آل ياسين: ( إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ . قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) (يس:25-27) ، قال الحسن: "لا تجد المؤمن إلا ناصحًا؛ نصح لهم في الدنيا والآخرة" -أو كما قال رحمه الله تعالى-.
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ ) (متفق عليه) ، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَوْصِنِي، قَالَ: ( لاَ تَغْضَبْ ) فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: ( لاَ تَغْضَبْ ) (رواه البخاري) ، وإنما نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- الرجل عن الغضب؛ لأنه الذي تقترن به القسوة والغلظة وأذية الخلق؛ فلذلك منعه منه؛ إلا أن يكون غضبًا لله -سبحانه وتعالى- كما سبق.
وعن حميد بن عبد الرحمن عن رجل مِن أصْحابِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: قال رَجُلٌ: يا رسولَ اللهِ، أوْصِني؟ قال: ( لاَ تَغْضَبْ )، قال: "ففَكَّرتُ حين قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ما قال، فإذا الغَضَبُ يَجمَعُ الشَّرَّ كُلَّه" (رواه أحمد، ورواته محتج بهم في الصحيح، وصححه الألباني) .
وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عمرو -رضي الله عنه- أنه سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مَاذا يُباعدُني مِن غَضبِ اللهِ -عزَّ وجلَّ-؟ فقال: ( لاَ تَغْضَبْ )، وفي رواية قال: "ما يمنَعُني مِن غضَبِ اللهِ؟" (رواه ابن حبان، وحسنه الألباني) .
وعن جارية بن قدامة: أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ، قُلْ لي قَوْلًا وأقْلِلْ لعلِّي أَعِيه، قال: ( لاَ تَغْضَبْ )، فأعاد عليه مِرارًا كلَّ ذلك يقولُ: ( لاَ تَغْضَبْ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ورواه الطبراني في الكبير والأوسط إلا أنه قال: عن الأحنف بن قيس عن عمه -وعمه جارية بن قدامة- أنه قال: يا رسول الله: قُلْ لي قَوْلًا يَنْفَعُني اللهُ بِه" فذكره، وأبو يعلى إلا أنه قال: عن جارية بن قدامة أخبرني عم أبي أنه قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكر نحوه، وروايته رواية الصحيح.
وهذا يدل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يكرر هذا النهي: ( لاَ تَغْضَبْ ) على جماعات من أصحابه -رضي الله عنهم-، ويكرره في مواطن مختلفة؛ لتحذيره مِن شدة الغضب الذي يقودهم إلى أنواع الشر.
وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: قال رجل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: دُلَّني على عملٍ يُدخِلُني الجنَّةَ، قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ تَغْضَبْ وَلَكَ الجَنَّةُ ) (رواه الطبراني بإسنادين أحدهما صحيح، وصححه الألباني) .