شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حجة الله على العالمين (1)

طلعت مرزوق • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقال الله -تعالى-: ( رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّـهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّـهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) (النساء: 165) ، وقال -تعالى-: ( وَما كُنّا مُعَذِّبينَ حَتّى نَبعَثَ رَسولًا ) (الإسراء: 15) ، وقال -تعالى-: ( وَلَو أَنّا أَهلَكناهُم بِعَذابٍ مِن قَبلِهِ لَقالوا رَبَّنا لَولا أَرسَلتَ إِلَينا رَسولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبلِ أَن نَذِلَّ وَنَخزى ) (طه: 134) .

أهل الكتاب:

عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( وكان النَّبيُّ يُبعَثُ إلى قومِه خاصَّةً، وبُعِثتُ إلى الناسِ عامَّةً ) (متفق عليه) ، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار ) (رواه مسلم) .

وقال الله -عزَّ وجلَّ-: ( وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ) (النساء:159) .

قال الإمام الطبرى -رحمه الله-: "اختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم معنى ذلك: ( وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ) يعنـي بعيسى ( قَبْلَ مَوْتِهِ ) يعنـي قبل موت عيسى، يوجه ذلك إلـى أن جميعهم يصدّقون به إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الـملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الـحنـيفـية، دين إبراهيـم -صلى الله عليه وسلم-. وقال آخرون: يعني بذلك وإن من أهل الكتاب إلا لـيؤمننّ بعيسى قبل موت الكتابـي.

ذكر مَن كان يوجه ذلك إلـى أنه إذا عاين، عَلِـمَ الـحقّ من البـاطل، لأن كلّ من نزل به الـموت لـم تـخرج نفسه حتـى يتبـين له الـحقّ من البـاطل فـي دينه.

وقال آخرون: معنى ذلك وإن من أهل الكتاب إلا لـيؤمننّ بـمـحمد -صلى الله عليه وسلم- قبل موت الكتابـي.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال بـالصحة والصواب قول مَن قال: تأويـل ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا لـيؤمننّ بعيسى قبل موت عيسى.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب من غيره من الأقوال؛ لأن الله -جلّ ثناؤه- حكم لكل مؤمن بـمـحمد -صلى الله عليه وسلم- بحكم أهل الإيـمان فـي الـموارثة والصلاة علـيه، وإلـحاق صغار أولاده بحكمه فـي الـملة، فلو كان كلّ كتابـيّ يؤمن بعيسى قبل موته، لوجب أن لا يرث الكتابـيّ إذا مات علـى ملته إلا أولاده الصغار أو البـالغون منهم من أهل الإسلام، إن كان له ولد صغير أو بـالغ مسلـم، وإن لـم يكن له ولد صغير ولا بـالغ مسلـم، كان ميراثه مصروفـًا حيث يصرف مال الـمسلـم، يـموت ولا وارث له، وأن يكون حكمه حكم الـمسلـمين فـي الصلاة علـيه وغسله وتقبـيره؛ لأن من مات مؤمنًا بعيسى فقد مات مؤمنًا بـمـحمد وبجميع الرسل؛ وذلك أن عيسى -صلوات الله علـيه- جاء بتصديق مـحمد وجميع الـمرسلـين، فـالـمصدّق بعيسى والـمؤمن به مصدّق بـمـحمد وبجميع أنبـياء الله ورسله، كما أن الـمؤمن بـمـحمد مؤمن بعيسى وبجميع أنبـياء الله ورسله، فغير جائز أن يكون مؤمنًا بعيسى مَن كان بـمـحمد مكذّبـًا.

فإن ظنّ ظانّ أن معنى إيـمان الـيهوديّ بعيسى، الذي ذكره الله فـي قوله: ( وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ) إنـما هو إقراره بأنه لله نبـيّ مبعوث دون تصديقه بجميع ما أتـى به من عند الله، فقد ظنّ خطأ؛ وذلك أنه غير جائز أن يكون منسوبـًا إلـى الإقرار بنبوّة نبـيّ من كان له مكذّبـاً فـي بعض ما جاء به من وحي الله وتنزيـله، بل غير جائز أن يكون منسوبـًا إلا الإقرار بنبوةّ أحد من أنبـياء الله؛ لأن الأنبـياء جاءت الأمــم بتصديق جميع أنبـياء الله ورسله، فـالـمكذب بعض أنبـياء الله فـيـما أتـى به أمته من عند الله مكذب جميع أنبـياء الله فـيـما دعوا إلـيه من دين عبـاد الله.

وإذ كان ذلك كذلك، كان فـي إجماع الـجميع من أهل الإسلام علـى أن كل كتابـي مات قبل إقراره بـمـحمد --صلوات الله علـيه- وما جاء به من عند الله، مـحكوم له بحكم الـمسألة التـي كان علـيها أيام حياته، غير منقول شيء من أحكامه فـي نفسه وماله وولده صغارهم وكبـارهم بـموته عما كان علـيه فـي حياته، أدلّ الدلـيـل علـى أن معنى قول الله: ( وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ) إنـما معناه: إلا لـيؤمننّ بعيسى قبل موت عيسى، وأن ذلك فـي خاصّ من أهل الكتاب، ومعنىّ به أهل زمان منهم دون أهل كل الأزمنة التـي كانت بعد عيسى، وأن ذلك كائن عند نزوله.

الصفحة التالية