شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حجة الله على العالمين (1)

طلعت مرزوق • المنهج السلفي

كالذي حدثنـي بشر بن معاذ، قال: ثنـي يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبـي هريرة، أن نبـيّ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: الأنْبِـياءُ إخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ أُمَّهاتُهُمْ شَتَّـى وَديِنُهُمْ وَاحِدٌ، وإنّى أوْلـى النَّاسِ بعِيسَى ابْنِ مَرْيَـمَ لأنَّهُ لَـمْ يَكُنْ بَـيْنِـي وَبَـيْنَهُ نَبِـيّ. وَإنَّهُ نازِلٌ، فإذَا رأيْتُـمُوهُ فـاعْرِفُوهُ، فإنَّهُ رَجُلٌ مَرْبُوعُ الـخَـلْقِ إلـى الـحُمْرَةِ وَالبَـياضِ، سَبْطُ الشَّعْرِ كأنَّ رأسَهُ يَقْطُرُ وَإنْ لَـمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ، بـينَ مُـمَصِّرَتَـيْنِ، فَـيَدُقُّ الصَّلِـيبَ، وَيَقْتُلُ الـخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الـجزْيَةَ، وَيُفِـيضُ الـمَالُ، وَيُقاتِلِ النَّاسَ علـى الإسْلامِ حتـى يَهْلِكَ اللَّهُ فِـي زَمانِهِ الـمِلَلَ كُلَّها غيرَ الإسْلامِ، ويُهْلِكُ اللَّهُ فِـي زَمانِهِ مَسِيحَ الضَّلالَةِ الكَذَّابَ الدَّجَّالَ، وَتَقَعُ الأمَنَةُ فِـي الأرْضِ فِـي زَمانِهِ حتـى تَرْتَعَ الأُسُودُ معَ الإبِلِ والنُّـمُورُ مَعَ البَقَرِ وَالذّئابُ مَعَ الغَنـمِ، وَتَلْعَبُ الغِلْـمانُ وَالصبْـيانُ بـالـحَيَّاتِ لا يَضُرُّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، ثُمَّ يَـلْبَثُ فِـي الأرْضِ ما شاء الله"، وربـما قال: أربعين سنة، ثم يُتوفـى ويصلـي علـيه الـمسلـمون ويُدفنونه.

وأما الذي قال: عنـي بقوله: ( لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ) لـيؤمننّ بـمـحمد -صلى الله عليه وسلم- قبل موت الكتابـي، فمـما لا وجه له مفهوم؛ لأنه مع فساده من الوجه الذي دللَّنا علـى فساد قول من قال: عنى به: لـيؤمننّ بعيسى قبل موت الكتابـيّ، يزيده فسادًا أنه لـم يجر لـمـحمد -علـيه الصلاة والسلام- فـي الآيات التـي قبل ذلك ذكر، فـيجوز صرف الهاء التـي فـي قوله: ( لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ ) إلـى أنها من ذكره، وإنـما قوله: ( لَـيُؤْمِنَنّ بِهِ ) فـي سياق ذكر عيسى وأمه والـيهود، فغير جائز صرف الكلام عما هو فـي سياقه إلـى غيره؛ إلا بحجة يجب التسلـيـم لها من دلالة ظاهر التنزيـل أو خبر عن الرسول تقوم به حجة، فأما الدعاوي فلا تتعذّر علـى أحد.

فتأويـل الآية إذ كان الأمر علـى ما وصفت: وما من أهل الكتاب إلا من لـيؤمننّ بعيسى قبل موت عيسى، وحذف ( مِنْ ) بعد ( إلَّا ) لدلالة الكلام علـيه، فـاستغنـي بدلالته عن إظهاره كسائر ما قد تقدمّ من أمثاله التـي قد أتـينا علـى البـيان عنها.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: ( وَيَوْمَ القِـيامَةِ يَكُونُ عَلَـيْهِمْ شَهِيداً )، يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: ( وَيَوْمَ القِـيامَةِ يَكُونُ ) عيسى علـى أهل الكتاب ( شَهِيدًا ) يعنـي: شاهدًا علـيهم بتكذيب مَن كذّبه منهم، وتصديق من صدّقه منهم فـيـما أتاهم به من عند الله وبإبلاغه رسالة ربه" (تفسير الطبري) .

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن كذلك، وإنما شبّه لهم، فقتلوا الشبه، وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باق حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة كما دلت عليه الأحاديث المتواترة التي سنوردها -إن شاء الله قريبًا-، فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، يعني لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ، ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم، ولهذا قال: ( وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ) أي: قبل موت عيسى عليه السلام- الذي زعم اليهود ومن وافقهم من النصارى أنه قُتِل وصُلِب ( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ) أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم، قبل رفعه إلى السماء، وبعد نزوله إلى الأرض.

فأما مَن فسر هذه الآية بأن المعنى أن كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد -عليهما الصلاة والسلام-، فهذا هو الواقع، وذلك أن كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلًا به، فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانًا نافعًا له، إذا كان قد شاهد الملك، كما قال -تعالى- في أول هذه السورة: ( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ ) (النساء:18) ، وقال -تعالى-: ( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ . فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ) (غافر:84-85) ، وهذا يدل على ضعف ما احتج به ابن جرير في رد هذا القول، حيث قال: ولو كان المراد بهذه الآية هذا، لكان كل من آمن بمحمد -صلى الله عليه وسلم- أو بالمسيح ممن كفر بهما، يكون على دينهما، وحينئذٍ لا يرثه أقرباؤه من أهل دينه؛ لأنه قد أخبر الصادق أنه يؤمن به قبل موته، فهذا ليس بجيد؛ إذ لا يلزم مِن إيمانه أنه يصير بذلك مسلمًا؛ ألا ترى قول ابن عباس ولو تردى من شاهق، أو ضرب بالسيف، أو افترسه سبع، فإنه لابد أن يؤمن بعيسى؟ فالإِيمان في هذه الحال ليس بنافع، ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدمناه، والله أعلم.

الصفحة السابقة الصفحة التالية