الفساد (79) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (7) ضعف المنظومة الطبية
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمِن السلبيات التي ساهمت أزمة كورونا في إبرازها، وجعلتها أكثر وضوحًا وأشد أثرًا: ما شاهدناه من ضعف النظم الصحية في كثيرٍ مِن دول العالم شرقًا وغربًا.
لقد كان الاعتقاد السائد أن هناك العديد مِن الدول المتقدمة التي تمتلك نظامًا صحيًّا قويًّا يكفل لها تقديم الخدمات الصحية لمواطنيها بكفاءة، ويمكنه التصدي بقوة لأي ظروف أو أزمات صحية تتعرض لها هذه الدول، ثم جاءت أزمة فيروس كورونا لتكشف الكثير مما كان خافيًا، (فقد كشفت الجائحة عن كثيرٍ من أوجه النقص والعوار في النظم الصحية والاقتصادية، وفي جاهزية القادة والحكومات للتعامل مع صدمة بهذا الحجم، والأرجح أن كل ذلك سوف يصبح وقودًا في معارك سياسية وأيدلوجية تنتظر لحظة السيطرة على الوباء للدخول في صراعات إعادة صياغة عالَم ما بعد الجائحة أو الحياة الطبيعية الجديدة).
وبما أن العدالة والمساواة في الرعاية الصحية هي العدالة الاجتماعية في المجال الصحي، فإن التفاوت واللامساواة في الرعاية الصحية تتعلق بخلل في وجه من أوجه العدالة الاجتماعية؛ (لأنها تعبِّر عن تمييز أو إقصاء مقصود أو غير مقصود، وبحيث تكون ذات أثر في تعزيز الهشاشة والحرمان الاجتماعيين، وعلى أساس المقاييس المحددة للتفاوت الصحي تكون قياسات الإنصاف الصحي والعدالة الصحية وما يستوجبانه من التزام السياسات العامة بالبناء عليها، والتزام السياسات العمومية بتحقيقها) (انظر: "مجلة الديمقراطية" عدد يوليو 2020م، ص 24 -38 بتصرف) .
(لقد ساهمت جائحة كورونا التي عرفها العالم في وضع المنظومات الصحية في العالم في موضع تساؤل، وعرت حدود السياسات النيوليبرالية التي عملت منذ عقود على التقليص من الدعم الحكومي لمنظومات الرعاية الصحية الاجتماعية العمومية لصالح القطاعات الخاصة في أوروبا والولايات المتحدة، كان خيار التقليص من ميزانيات الصحة كارثيًّا مثلما بينت جائحة كورونا؛ لم تقدر المستشفيات على استيعاب الأعداد الكبيرة من المصابين، واضطر الكثير من تلك الدول إلى بناء مستشفيات ميدانية والتضحية بكبار السن) (المصدر السابق، ص 87) .
ولهذا وفي ظل ترأس ألمانيا للاتحاد الأوروبي لمدة ستة أشهر بداية من يوليو 2020م (دعت المستشارة الألمانية لأن يولي الأوروبيون اهتمامًا أكبر وخاصًّا لإقامة نظام صحي أوروبي فعَّال لمواجهة فيروس كورونا الذي تؤكد منظمة الصحة العالمية أنه لن يختفي سريعًا من عالمنا، وسيظل يشكل تهديدًا للبشر لما لا يقل عن العام وربما العامين؛ خاصة أن مواجهة هذا الفيروس المستجد كشفت ضعف الأنظمة الصحية في الدول الأوروبية، بل وانهيارها في بعضها كما حدث في إيطاليا وإسبانيا التي اكتظت المستشفيات فيهما بالمرضى، ولم يجد كثيرون مكانًا لهم في هذه المستشفيات، وظهر النقص الشديد في أَسِرة الرعاية المركزة وأجهزة التنفس الصناعي بها، بل حتى نقص في الطواقم الطبية وفي الكمامات، وبدل الوقاية الطبية، وارتفعت أصوات قادتها يطلبون الغوث والمساعدة من الجميع، وفي حلوقهم غصة؛ لأن أشقاءهم الأوربيين خذلوهم في محنتهم القاسية والمريرة حينما عجزوا عن وقف تدفق توابيت الموتى وعلاج المصابين.
كما أكدت المستشارة ميركل أنها ستركز خلال قيادتها للاتحاد الأوروبي على إقامة هذا النظام الصحي الأوروبي الفعال لمواجهة أي جوائح والتصدي لأي فيروس جديد، وليس فيروس كورونا المستجد فقط، وذلك حتى تكون أوروبا أكثر تأقلمًا مع القرن الحادي والعشرين) (راجع: "رؤساء وكورونا" عبد القادر شعيب - كتاب الجمهورية - أغسطس 2020م، ص 82 -83) .
(ويشير تقرير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة حول تأثير جائحة كوفيد 19 إلى تفاوت قدرات الأفراد على النفاذ إلى خدمات صحية جيدة، ولم يقتصر هذا التفاوت على البلدان النامية فقط، بل امتد إلى البلدان المتقدمة التي تتفاوت في قدراتها على التعامل مع التداعيات الصحية للأزمة وَفقًا لدرجة شمول وجودة الخدمة الصحية. وفي هذا الإطار يشير التقرير إلى وجود تفاوت كبير بين البلدان المتقدمة والنامية في مستوى حجم الخدمات الصحي المقدمة للأفراد) (راجع: مجلة الديمقراطية - عدد يوليو 2020م، ص 18) .
وبالنسبة لمصر:
فـ(يتكون القطاع الصحي الحكومي في مصر من نحو 691 مستشفى حكومي تتبع غالبيتها لوزارة الصحة والتعليم العالي، ويعمل به نحو 75 ألف طبيب و143 ألف عضو بهيئات التمريض. ويمثل الإنفاق العام على قطاع الصحة في المتوسط نحو 5% من إجمالي الإنفاق العام خلال الفترة (2010 - 2020م)، كما يمثل نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أقل من متوسط الإنفاق العالمي على قطاع الصحة في العالم، حيث يمثل نحو 20% من الإنفاق الحكومي ونحو 7 % من الناتج المحلي الإجمالي).
وتواجه الموازنة المتعلقة بقطاع الصحة في مصر العديد من التحديات، منها: (ضيق الحيز المالي للإنفاق على الصحة نظرًا لكثرة البنود الإلزامية بموازنة قطاع الصحة والمتمثلة في سداد الرواتب والأجور للعاملين بالقطاعات الطبية، والتي تمثل نحو 57 % من جملة الإنفاق العام على القطاع، ونحو 21 % لشراء السلع والخدمات البند الثاني من الإنفاق، ونحو 5% للإنفاق على الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية من جملة المصروفات العامة بقطاع الصحة عن العام المالي 2019- 2020 م، وهو الأمر الذي يقيد من حرية صانعي السياسة المالية بقطاع الصحة وإعادة توجيهها لصالح بنود تتعلق بالاستثمار العام بإنشاء مستشفيات جديدة أو وحدات صحية أو تطوير المستشفيات القائمة).
ومنها: (ضعف المخصصات المالية الموجهة إلى بعض البنود الموجهة بصفة عامة إلى البحوث وتدريب العاملين في هذا القطاع، والتي لم تتخطَ أكثر من 5.0 % من إجمالي مخصصات الباب الثاني أي نحو 73 مليون جنيه، والبنود المخصصة لصيانة الأجهزة والمعدات لم تتخط أكثر من 11 % من جملة مخصصات الباب الثاني، وهو ما يشير إلى ضعف الممكنات الرئيسية لعمل هذا القطاع، ناهيك عن ضعف الأجور والمرتبات الخاصة بالأطقم الطبية وكافة المستلزمات الرئيسية التي يتم استخدامها بالقطاع الطبي) (راجع: "مجلة الديمقراطية عدد يوليو 2020 م، 109 - 110 بتصرف) .