الفساد (79) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (7) ضعف المنظومة الطبية
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وتقوم معظم الخدمات الصحية في مصر على المنظومة الحكومية الصحية، إلى جانب مساهمة من القطاع الصحي الخاص، فوزارة الصحة هي المصدر الرئيسي للخدمات الصحية من خلال الرعاية الصحية الأساسية وتتكفل بها مراكز الرعاية الأساسية الصحة والمستشفيات المحلية والمستشفيات الجامعية.
ورغم تطور المنظومة الصحية؛ إلا أن هناك لا عدالة في الرعاية الصحية من خلال عدم المساواة بين المحافظات المختلفة في التشخيص والعلاج، واستهلاك الأدوية، وتفاوت الحالة الصحية للمواطنين، ورغم التغطية شبه المجانية للتشخيص والعلاج في المنظومة الصحية الحكومية، فإن الكثير من العائلات المقتدرة تتكفل بنفسها بمصروفات الكشف والعلاج بشكل مباشر؛ مما يعني أن اللا عدالة الصحية تتزايد في ظل عدم اللا مساواة، خاصة مع ضعف دعم الدولة لمنظومة الصحة الحكومية، والنقص الحاد في البنية التحتية الصحية وحاجة الموجود منها للتحسين، وعدم اكتمال فاعليتها وأدائها.
وتشير إلى ذلك مؤشرات، منها: معدلات وَفَيات الأطفال في المستشفيات الحكومية، ومعدلات الولادة في المنازل دون مساعدة طبية، وتفاوت الرعاية بين المستشفيات، ونقص بعض التخصصات، بل ونقص الأطباء المتخصصين، وفقد الأجهزة والتجهيزات الطبية اللازمة في العديد من المحافظات بالمقارنة بالقاهرة -العاصمة- والمحافظات والمدن الكبرى، فالخريطة الطبية في مصر غير عادلة، خاصة في محافظات ومدن وقرى الصعيد ومحافظات الحدود، التي تعاني من نقص كبير في التجهيزات الطبية كمًّا ونوعًا، وفي أعداد الأطباء والتمريض؛ خاصة في التخصصات الطبية المهمة؛ مما يستوجب رسم سياسة صحية جديدة تأخذ في الاعتبار الحق في الرعاية الصحية كحق إنساني رئيسي، وجزء من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين في كل المحافظات والمدن والقرى المصرية.
ويعد هذا النقص وسوء التوزيع في الخريطة الصحية من أهم عوامل اللا عدالة الصحية؛ إذ يجبر الكثيرين من المرضى على الذهاب إلى القطاع الخاص؛ مما يكلفهم وعائلاتهم مصاريف إضافية تسهم في الإضرار بهم اقتصاديًّا؛ خاصة في علاج الأمراض المزمنة والخطيرة، وفي إجراء العمليات الجراحية التي تتطلب تكاليف عالية.
وفي مقابل ذلك: فتمتلك مصر من الناحية التاريخية نظامًا وقائيًّا يمتد لأكثر من قرن ونصف قرن، فـ(عندما ضرب وباء الكوليرا مصر عام 1848م بنت الدولة المصرية وقتها إجراءات احترازية كان من أهمها إنشاء مؤسسة للحجر الصحي، ونتيجة لهذه الخبرات المتراكمة لمصرفي مواجهة الأوبئة يعد قطاع الطب الوقائي أكثر القطاعات تميزًا في وزارة الصحة المصرية؛ ولذلك واجهت مصر بنجاح شهدت به منظمة الصحة العالمية العديد من الأوبئة فيما بين العقود الأخيرة من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مثل: فيروس سارس، وإنفلونزا الطيور، وإنفلونزا الخنازير) (راجع: "رؤساء وكورونا" عبد القادر شهيب - كتاب الجمهورية - أغسطس 2020م، ص 184) .
مصر وأزمة كورونا:
على الرغم من الضعف النسبي للمنظومة الصحية في مصر، فإن التعامل الرسمي مع أزمة كورونا كانت نتائجه نسبيًّا إيجابية، حيث عملت السلطات على حصر انتشار الفيروس وعلى السيطرة على تزايد الإصابات لمنع انهيار المنظومة الصحية بسبب فيروس كورونا، الذي إن حدث لكانت كارثة كبرى.
كانت مصر من الدول السباقة مع بداية أزمة كورونا في أخذ الإجراءات الاستباقية، ويمكن القول نسبيًّا أن الاقتصاد الطبي في مصر من خلال القطاع الصحي والمنشآت الطبية خصوصًا مستشفيات الصدر والحميات أمكنه تغطية حدود الأمان وتجاوز المرحلة الصعبة، أما ما وقع من حدوث زيادة في أعداد المصابين وفي أعداد الوفيات في بداية الأزمة فكان لطبيعة المرض وعدم وجود وعي كافٍ به.
لقد (استوعبنا الجائحة فأصبحنا في منطقة آمنة من المرض، وهذا الدرس يعلمنا أهمية وجود الاقتصاد الطبي القوي لأي دولة من دول المنطقة، أيضًا زاد الاحتياج بعد هذه الأزمة لوجود التأمين الصحي الشامل وهو الحل لمواجهة مثل هذه المواقف، والحقيقة أن مصر من أقدم دول المنطقة في التأمين الصحي والصروح الطبية العديدة التي تحتاج إلى تطوير، وقد بدأنا بالفعل هذا المشروع ويستكمل في السنوات القادمة) (راجع: مجلة "طبيبك الخاص" عدد محرم 1442هـ - الموافق سبتمبر2020م، ص15) .
جهود وزارة الصحة لمواجهة الفيروس:
(سارعت السلطات الصحية في تجهيز أول مستشفى عزل للمصابين في مرسى مطروح، هي مستشفى (النجيلة)، ومعسكر عزل للمشتبه إصابتهم، وبمرور الوقت زاد عدد مستشفيات العزل تحت ضغط الحاجة حتى بلغ مبكرًا نحو 20 مستشفى عزل بسعة تفوق الثلاث آلاف (3124) سرير، من بينها 527 سرير رعاية مركزة، ومع تصاعد عدد الإصابات وتزايد الضغوط على بعض مستشفيات العزل التي لم تعد تكفي كل المصابين بالفيروس خاصة في المحافظات الأكثر إصابة، وصار العثور على سرير لمصاب في مستشفى عزل ليس بالأمر السهل، كانت السلطات الصحية قد استعدت قبلها لمثل هذا اليوم حينما قررت استخدام نزل الشباب والمدن الجامعية كأماكن عزل، غير أن هذه الأماكن اضطرت الحكومة لاستخدامها لعزل العائدين من الخارج بعد أن تقرر إعادتهم إلى بلادهم بناءً على رغبتهم؛ خاصة أن منهم مَن صار وجوده بالخارج صعبًا ومكلفًا؛ ولذلك قررت السلطات الصحية أن تجهز نحو 43 مستشفى حميات على مستوى الجمهورية لتخفيف الضغط على مستشفيات حميات القاهرة والجيزة يتم فيها عزل المصابين بالفيروس.