شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الخلاص في العمل بما تضمنته سورة الإخلاص

نصر رمضان • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن توحيد الله -سبحانه-، وإخلاص العبادة له وحده -جلَّ وعَلَا- دون كلِّ ما سواه، هو أعظم الأصول وأكملها وأفضلها، وألزمها لصلاح الإنسانية، فمِن أجل توحيد الله وعبادته -سبحانه- خَلَقَ اللهُ الجن والإنس، وأرسلَ الرُّسُل، وأنزل الكتب، وشَرَعَ الشرائِع؛ ولذا كان التوحيد مِفتاح دعوة الرسل أجمعين، وغاية رسالتهم، فما مِن رسولٍ بعثه الله إلا وكان أول ما يدعو قومه إليه هو توحيد الله، قال الله -تعالى-: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) (النحل:36) ، وقال: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) (الأنبياء:25) .

ومن السور العظيمة التي أنزلها الله -تعالى- على رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ تقرر ما يجب على العبد اعتقاده في ربه، وأنه الواحد الأحد، الذي لا شريك له، ولا نظير ولا شبيه، في ذاته وصفاته وأفعاله، ولا صاحبة ولا ولد له، وأنه المتصف بصفات الكمال والجلال بلا تمثيل، المُنَزَّه عن صفات النقص بلا تعطيل: "سورة الإخلاص"؛ قال الله -تعالى-: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) (الإخلاص:1-4) ، فهي سورة مكية، وهي مِن أعظم سور القرآن؛ إذ هي صفة الرحمن، سُميت بسورة الإخلاص؛ لأنها خالِصة في وصف الله -سبحانه-، ليس فيها غيره. أو: لأنها خالصة في التوحيد الخالص لله -عز وجل- مِن كل مظاهر الشرك. أو: لأنها تخلِّص صاحبها من الشرك والنار.

وتُسمَّى كذلك بـ"سورة الأساس"؛ لأن موضوعها هو توحيد الله -سبحانه-، وإثبات ما يليق بذاته من صفات، ونفي ما لا ينبغي له، وهما أساس الإسلام، وتسمَّى -أيضًا-: بـ"سورة الصمد"؛ إشارة إلى قوله: ( اللَّهُ الصَّمَدُ )، وقد ذكر المفسِّرون لها أسماء عديدة تدور حول موضوعها.

- سورة الإخلاص: أربع آيات غاية في الإيجاز والإعجاز، قليلة المباني، عظيمة المعاني، لَخَّصت وأَجْمَلت أصل الاعتقاد والتوحيد الذي هو أصل الدين وأساسه.

- سورة الإخلاص: فيها الرد على المشركين الذين اتخذوا مع الله الشركاء، وضربوا له الأمثال، وظنوا به ظن السوء، ونَسَبُوا له الولد، فقالوا: الملائكة بنات الله، وانتقصوا مقام الربوبية، وجناب الألوهية، وناقضوا مقصود ما بعث الله به رسله، ففي سنن الترمذي عن أُبي بن كعب -رضي الله عنه-: أَنَّ المُشْرِكِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني) ، كما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن اليهود أتوا النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: صف لنا ربك الذي تعبد، فأنزل الله -عز وجل-: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )، فقال: "هذه صفة ربي -عز وجل-" (قال ابن حجر في الفتح (13/ 356): "إسناده حسن") .

وقوله -تعالى-: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ): يبيِّن -سبحانه- أنه الواحد الذي لا نظير له، ولا وزير، ولا نديد، ولا شبيه، ولا عديل؛ فهو المنفرد بأفعاله فلا شريك له، المنفرد باستحقاق العبودية فلا ند له، المنفرد بصفات جلاله وكماله فلا نظير له ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (الشورى:11) ، قال -تعالى-: ( قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) (الرعد:16) ، وقال: ( لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) (الزمر:4) ، وقال: ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (التوبة:31) ، وقال: ( إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) (النحل:22) ، وقال - تعالى - : ( هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (إبراهيم:52) .

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تزالون تسألون، حتى يُقال لكم: هذا الله -عز وجل- خلقنا، فمَن خلق الله -عز وجل-؟!"، قال أبو هريرة: والله، إني لجالس يومًا، إذ قال لي رجل من أهل العراق: يا أبا هريرة، هذا الله -عز وجل- خلقنا، فمن خلق الله -عز وجل-؟! قال أبو هريرة: فجعلت أصبعي في أذني، ثم صرخت، فقلت: صدق الله ورسوله، الله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد" (كتاب التوحيد لعبد الغني المقدسي) .

قوله -تعالى-: (اللَّهُ الصَّمَدُ): اسم الله ( الصَّمَدُ ) مِن أسماء الله الحسنى الدَّالَّة على عِدَّة مَعَانٍ ذكرها أهل العلم:

- قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "هو المستغني عن كلِّ أحد، المُحتَاج إليه كلُّ أحد؛ فكل ما سواه مفتقِر إليه، وهو مستغنٍ عن كل ما سواه".

- وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "هو السيد الذي كمل في سؤدده، العظيم الذي كمل في عظمته، الشريف الذي كمل له أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله -سبحانه- هذه صفته التي لا تنبغي إلا له".

- وقال سعيد بن جبير -رحمه الله-: "هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله".

وقال أُبي بن كعب -رضي الله عنه-: "الصمد الذي لم يلد ولم يولد؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله لا يموت ولا يورث".

الصفحة التالية