شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الخلاص في العمل بما تضمنته سورة الإخلاص

نصر رمضان • من نور الوحيين

وقال ابن مسعود، وابن عباس، والحسن البصري، ومجاهد، وعكرمة: الصمد: الذي لا جوف له؛ فهو متنزه -سبحانه- عن صفات البشر: كالأكل والشرب، ويتفق هذا المعنى مع ما جاء القرآن من إثبات بشرية المسيح -عليه السلام-؛ لأكله الطعام، قال -تعالى- في عيسى وأمه -عليهما السلام-: ( مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ) (المائدة:75) ؛ لما في الافتقار إلى الطعام من الدلالة القاطعة على بشرية عيسى وأمه -عليهما السلام-.

والصمد الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجهم فيكفيهم؛ إذ ليس لهم رب سواه، ولا مقصود لهم غيره يقصدونه ويلجأون إليه؛ فهو -سبحانه- المقصود إليه في الرغائب، والمستغاث به عند المصائب، وهو الذي تصمد إليه القلوب وتتجه إليه في رغبها ورهبها.

ثم قال -سبحانه-: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ): ففي هذه الآية رَدٌّ على مَن قال مِن المشركين أن (الملائكة بنات الله)، وعلى اليهود الذين قالوا: (عُزَيْر ابن اللَّه)، أو النصارى الذين قالوا: (المَسِيح ابن اللَّه)؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا؛ فكذبهم الله في دعواهم الباطلة بقوله: ( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ )؛ لأنه -جلَّ وعلا- لا مثيل له، والولد مشتق من والده، وجزء منه؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن فاطمة -رضي الله عنها-: ( إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا ) (متفق عليه) ، والله -جلَّ وعلا- لا مثيل له، ثم إن الولد إنما يكون للحاجة إليه، إما في المعونة، وإما في الحاجة إلى بقاء النسل، والله -عز وجل- لا مثيل له؛ وهو -عز وجل- مستغنٍ عن كل أحدٍ، فليس هو بأبٍ لأحدٍ، ولا بابنٍ لأحدٍ؛ سبحانه، وليس هو ممن يُولد فيَفْنَى، ولا هو بمحدَث لم يكن فكان؛ تعالى ربنا وجلَّ وتَقَدَّس.

قال الله -تعالى-: ( أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (الأنعام:101) ، وقال -تعالى-: ( وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ) (الإسراء:111) ، وقال - تعالى - : ( الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (الفرقان:2) ، وقال -تعالى-: ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا . تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا . وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا . إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا . لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا . وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ) (مريم:88-95) ، وقال -تعالى-: ( لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ) (النساء:172) .

وفي الحديث القدسي الذي رواه البخاري: ( كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي لَنْ أُعِيدَهُ كَمَا بَدَأْتُهُ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، وَأَنَا الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُؤًا أَحَدٌ ).

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "فقد نزَّه الله نفسه عن الوالد والولد، وكفَّر مَن جعل له ولدًا، أو والدًا، أو شريكًا، فقال -تعالى- في السورة التي تعدل ثلث القرآن... : ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ )، وعلى هذه السورة اعتماد الأئمة في التوحيد... فنفى عن نفسه الأصول والفروع والنظراء" (مجموع الفتاوى 2 / 438) .

ثم قال -سبحانه-: ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ )، فقد بيَّن -تعالى- أنه لم يكن أحدٌ من مخلوقاته كفوًا له، ولا نظير له، ولا مثيل له، وهذا يدل على تفرده -سبحانه- بصفات الجلال والكمال، وتنزيهه عن الشبيه والمثيل، والند والنظير، فلا أحد يماثله في ذاته، ولا في أسمائه، ولا صفاته، ولا في أفعاله، قال الحافظ: "ومعنى الآية: أنه لم يماثله أحد، ولم يشاكله" (فتح الباري 8 / 740) ، فالله -تعالى- لا نظير له بوجه من الوجوه، والكفء: المثيل. قال -تعالى-: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (الشورى:11) ، وقال: ( فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ) (مريم:65) ، وقال: ( فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ) (النحل:74) ، وقال: ( فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا ) (البقرة:22) .

إن سورة الإخلاص كان -صلى الله عليه وسلم- يكثر من قراءتها في صلواته، فكان يفتتح بها نهاره في سنة الفجر، ويفتتح بها ليله في سنة المغرب، وينهي بها يومه وليلته في صلاة الوتر، وكان يقرؤها في أول النهار في أذكار الصباح، وفي آخره في أذكار المساء، ويقرؤها في أدبار الصلوات، وركعتي الطواف، وعند النوم، مع المعوذات.

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( احْشُدُوا، فَإِنِّي سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ )، فَحَشَدَ مَنْ حَشَدَ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَرَأَ: ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) ثُمَّ دَخَلَ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: إِنِّي أُرَى هَذَا خَبَرٌ جَاءَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَذَاكَ الَّذِي أَدْخَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: ( إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، أَلَا إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ) (رواه مسلم) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية