شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حُجَّةُ الله على العالمين (2)

طلعت مرزوق • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى-: ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) (الأنعام:19) ، وقال -تعالى-: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّـهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (المائدة:19) .

أهل الفترة:

الفترة هي: ما بين كل نبيين، كانقطاع الرسالة بين عيسى -عليه السلام- ومحمد -صلى الله عليه وسلم-، وجمهور العلماء يطلقون على كل مَن لم تبلغه الدعوة: "أهل الفترة".

قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "بقي ها هنا مسألة، قد اختلف الأئمة -رحمهم الله تعالى- فيها قديمًا وحديثًا، وهي: الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار؛ ماذا حكمهم؟ وكذا: المجنون، والأصم، والشيخ الخرف، ومَن مات في الفترة ولم تبلغه دعوة؟ وقد ورد في شأنهم أحاديث أنا أذكرها لك بعون الله وتوفيقه، ثم نذكر فصلًا ملخصًا مِن كلام الأئمة في ذلك، والله المستعان.

فالحديث الأول عن الأسود بن سريع -رضي الله عنه-: قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أَبي عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( أَرْبَعَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ، وَرَجُلٌ هَرَمٌ، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ، فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ، وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ، مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا )، وبالإسناد عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة مثله، غير أنه قال في آخره: ( فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا يُسْحَبُ إِلَيْهَا )، وكذا رواه إسحاق بن راهويه عن معاذ بن هشام، ورواه البيهقي في كتاب الاعتقاد من حديث أحمد بن إسحاق عن علي بن عبد الله المديني به، وقال: "هذا إسناد صحيح"، وكذا رواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أربعة كلهم يدلي على الله بحجة" فذكر نحوه، ورواه ابن جرير من حديث معمر عن همام عن أبي هريرة، فذكره موقوفًا، ثم قال أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى? نَبْعَثَ رَسُولاً ) (الإسراء:15) ، وكذا رواه معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة موقوفًا.

الحديث الثاني عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: قال أبو داود الطيالسي: حدثنا الربيع عن يزيد هو ابن أبان قال: قلنا لأنس: يا أبا حمزة، ما تقول في أطفال المشركين؟ فقال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لم يكن لهم سيئات فيعذبوا بها، فيكونوا من أهل النار، ولم يكن لهم حسنات فيجازوا بها، فيكونوا من أهل الجنة".

الحديث الثالث عن أنس أيضًا -رضي الله عنه-: قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير عن ليث عن عبد الوارث، عن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود، والمعتوه، ومن مات في الفترة، والشيخ الفاني الهرم، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب تبارك و-تعالى- لعنق من النار: ابرز، ويقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلًا من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم، ادخلوا هذه -قال- فيقول مَن كتب عليه الشقاء: يا رب أنَّى ندخلها ومنها كنا نفر؟ -قال-، ومَن كتب عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعًا -قال- فيقول الله -تعالى-: أنتم لرسلي أشد تكذيبًا ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنة، وهؤلاء النار"، وهكذا رواه الحافظ أبو بكر البزار عن يوسف بن موسى عن جرير بن عبد الحميد بإسناده مثله.

الحديث الرابع عن البراء بن عازب -رضي الله عنه-: قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده أيضًا: حدثنا قاسم بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله، يعني ابن داود، عن عمر بن ذر عن يزيد بن أمية، عن البراء قال: سُئِل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أطفال المسلمين، قال: "هم مع آبائهم" وسئل عن أولاد المشركين، فقال: "هم مع آبائهم". فقيل: يا رسول الله، ما يعملون؟ قال: "الله أعلم بهم"، ورواه عمر بن ذر عن يزيد بن أمية عن رجل عن البراء عن عائشة، فذكره.

الصفحة التالية