حُجَّةُ الله على العالمين (2)
طلعت مرزوق • من نور الوحيين
الحديث الخامس عن ثوبان -رضي الله عنه-: قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا ريحان بن سعيد، حدثنا عباد بن منصور عن أيوب، عن أبي قلابة عن أبي أسماء، عن ثوبان أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عظم شأن المسألة، قال "إذا كان يوم القيامة، جاء أهل الجاهلية يحملون أوزارهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم، فيقولون ربنا لم ترسل إلينا رسولًا، ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولًا، لكنا أطوع عبادك، فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيقولون نعم، فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون حتى إذا دنوا منها، وجدوا لها تغيظًا وزفيرًا، فرجعوا إلى ربهم، فيقولون: ربنا أخرجنا أو أجرنا منها، فيقول لهم: ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني، فيأخذ على ذلك مواثيقهم، فيقول اعمدوا إليها فادخلوها، فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا منها ورجعوا وقالوا: ربنا فرقنا منها، ولا نستطيع أن ندخلها، فيقول: ادخلوها داخرين"، فقال نبي الله -صلى الله عليه وسلم-: "لو دخلوها أول مرة، كانت عليهم بردًا وسلامًا". ثم قال البزار: ومتن هذا الحديث غير معروف؛ إلا مِن هذا الوجه، لم يروه عن أيوب إلا عباد، ولا عن عباد إلا ريحان بن سعيد. قلتُ: وقد ذكره ابن حبان في ثقاته. وقال يحيى بن معين والنسائي: لا بأس به، ولم يرضه أبو داود، وقال أبو حاتم: شيخ لا بأس به، يُكتب حديثه، ولا يُحتج به.
الحديث السادس عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري -رضي الله عنه-: قال الإمام محمد بن يحيى الذهلي: حدثنا سعيد بن سليمان عن فضيل بن مرزوق عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الهالك في الفترة والمعتوه والمولود، يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب! ويقول المعتوه: ربِّ لم تجعل لي عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًّا. ويقول المولود: ربِّ لَمْ أدرك العقل، فترفع لهم نار، فيقال لهم: رُدوها -أو: ادخلوها-، قال: فيردها مَن كان في علم الله سعيدًا لو أدرك العمل، ويمسك عنها مَن كان في علم الله شقيًّا لو أدرك العمل، فيقول: إياي عصيتم؛ فكيف لو أن رسلي أتتكم؟!" وكذا رواه البزار عن محمد بن عمر بن هياج الكوفي عن عبيد الله بن موسى عن فضيل بن مرزوق به، ثم قال: لا يُعرف من حديث أبي سعيد إلا مِن طريقه عن عطية عنه، وقال في آخره: "فيقول الله: إياي عصيتم؛ فكيف برسلي بالغيب؟!".
الحديث السابع عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه-: قال هشام بن عمار ومحمد بن المبارك الصوري: حدثنا عمرو بن واقد عن يونس بن حلبس عن أبي إدريس الخولاني، عن معاذ بن جبل عن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلًا، وبالهالك في الفترة، وبالهالك صغيرًا، فيقول الممسوخ: يا ربِّ لو آتيتني عقلًا ما كان مَن آتيته عقلًا بأسعد مني!"، وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك، فيقول الرب -عز وجل-: إني آمركم بأمر فتطيعوني؟ فيقولون: نعم. فيقول اذهبوا فادخلوا النار، قال: ولو دخلوها ما ضرتهم، فتخرج عليهم قوابض، فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيرجعون سراعًا، ثم يأمرهم ثانية، فيرجعون كذلك. فيقول الرب -عز وجل-: قبل أن أخلقكم عَلِمْتُ ما أنتم عاملون، وعلى علمي خلقتكم، وإلى علمي تصيرون، ضميهم؛ فتأخذهم النار".
الحديث الثامن عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟"، وفي رواية: قالوا: يا رسول الله، أفرأيت مَن يموت صغيرًا؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين".
وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت عن عطاء بن قرة عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما أعلم -شك موسى- قال: "ذراري المسلمين في الجنة يكفلهم إبراهيم -عليه السلام-"، وفي "صحيح مسلم" عن عياض بن حمار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الله -عز وجل- أنه قال: "إني خلقت عبادي حنفاء"، وفي رواية لغيره" "مسلمين".
الحديث التاسع عن سمرة -رضي الله عنه-: رواه الحافظ أبو بكر البرقاني في كتابه: "المستخرج على البخاري" مِن حديث عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي عن سمرة -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "كل مولود يولد على الفطرة" فناداه الناس: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: "وأولاد المشركين". وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا عقبة بن مكرم الضبي عن عيسى بن شعيب، عن عباد بن منصور عن أبي رجاء، عن سمرة قال: سألنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أطفال المشركين، فقال: "هم خدم أهل الجنة".
الحديث العاشر عن عم حسناء: قال أحمد: حدثنا روح، حدثنا عوف عن حسناء بنت معاوية، من بني صريم قالت: حدثني عمي، قال: قلت: يا رسول الله، مَن في الجنة؟ قال: "النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة".
فمِن العلماء مَن ذهب إلى الوقوف فيهم؛ لهذا الحديث.
ومنهم مَن جزم لهم بالجنة لحديث سمرة بن جندب في "صحيح البخاري" أنه -عليه الصلاة والسلام- قال في جملة ذلك المنام حين مرَّ على ذلك الشيخ تحت الشجرة وحوله ولدان، فقال له جبريل: "هذا إبراهيم عليه السلام، وهؤلاء أولاد المسلمين وأولاد المشركين"، قالوا: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال: "نعم، وأولاد المشركين".
ومنهم مَن جزم لهم بالنار؛ لقوله عليه السلام: "هم مع آبائهم".
ومنهم مَن ذهب إلى أنهم يُمتحنون يوم القيامة في العرصات، فمَن أطاع دخل الجنة، وانكشف علم الله فيهم بسابق السعادة، ومَن عصى دخل النار داخرًا، وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة، وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صَرَّحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض، وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد، وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد.