شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (1)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهذا المصطلح الذي ظَهَر في زمننا: "الدين الإبراهيمي"، وما تَفَرَّع عنه، مثل: "الولايات الإبراهيمية المتحدة"، متزامنًا ظهوره مع حملات التطبيع مع اليهود وكيانهم الصهيوني، والتي رتبت لها إدارة الرئيس الأمريكي -الخاسر في الانتخابات الأخيرة- "ترامب" بقيادة زوج ابنته -اليهودي- كوشنر، والذي صار له وجود متكرر في منطقتنا العربية الإسلامية؛ لتغيير بوصلة العداوة الإستراتيجية مع إسرائيل إلى وجهات عديدة داخلية بين دول المنطقة، وصراعات عديدة داخل كل دولة تقتتل فيها الشعوب والدول؛ إضافة إلى الخطر المدعم والمصنوع للشيعة ودولتهم الحديثة إيران، التي تهدف إلى نشر الدِّين الشيعي في دول المنطقة وغيرها.

وكان هذا المصطلح -ولا يزال- هادفًا إلى نسيان الهوية الإسلامية للشعوب والدول، بل وفقدان حقيقة ملة إبراهيم -عليه السلام-؛ رغم أن هذه الملة هي التي بُعث بها كل الأنبياء؛ الذين جعلهم الله من بعد إبراهيم -عليه السلام- مِن نسله، وخاتمهم محمد -صلى الله عليه وسلم-، قال الله -تعالى-: ( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (النحل:123) ، بل هو -صلى الله عليه وسلم- الذي أظهرها في العالم، ونشرها على حقيقتها في كل مكان، بعد أن حصرها اليهود في أنفسهم بظنهم أنهم شعب الله المختار، وكذا النصارى.

فبيَّن الله -تعالى- عدم صحة انتساب الطائفتين إلى إبراهيم -عليه السلام-، فقال -تعالى-: ( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) (آل عمران:67-68) .

وإن مِن أعجب ما يتعجب منه المرء أن يُستعمل هذا الاصطلاح حاليًا -عند مَن أنشأه- في ضد المعنى الأساسي الأكبر الذي قامت عليه ملة إبراهيم، وهو التوحيد، وعبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة من كل ما يُعبد من دونه، قال الله -تعالى-: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ . وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (الزخرف:26-28) .

وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "هي كلمة لا إله إلا الله، لا يزال في ذريته مَن يقولها".

وقال الله -عز وجل-: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) (الممتحنة:4) .

والقوم إنما يريدون استعماله في اختراع دين جديد، يزعمون فيه تساوي الأديان على تناقضها واختلافها؛ بزعم اجتماعها في تعظيم شخص إبراهيم -عليه السلام-، وهذا يقتضي الجمع بين المتناقضين: بين عبادة الله، وعبادة غيره، وتصحيح هذين المتناقضين، وكذا يقتضي الجمع بين الإيمان برسالة عيسى ومحمد -صلى الله عليهما وسلم- وبين تكذيبهما، وتصحيح هذين النقيضين.

وفي شأن عيسى -صلى الله عليه وسلم- الجمع بين اعتقاد نبوته وبين اعتقاد ألوهيته وبنوته لله، وبين اعتقاد أنه ابن زنا -والعياذ بالله-، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا! سبحانك هذا بهتان عظيم.

وقد جعل الله -عز وجل- اتهام مريم بالفاحشة كفرًا، فقال -تعالى- عن بني إسرائيل: ( وَبِكُفرِهِم وَقَولِهِم عَلى مَريَمَ بُهتانًا عَظيمًا ) (النساء:156) ؛ فهذا الدِّين الجديد يقتضي تصحيح كل هذه المتناقضات!

والهدف من هذا الدين الإبراهيمي الجديد في حقيقة الأمر: تحقيق تبعية دول المنطقة كلها للكيان الإسرائيلي؛ الأقرب في زعمهم إلى إبراهيم ووراثته، فينبغي أن يدين الجميع لهم بالتبعية، والإقرار لهم بالرياسة، والاعتراف بتقدمهم وتفوقهم العسكري، والاقتصادي، والإعلامي والتكنولوجي دون منازعة، بل ضرورة تسليم القيادة لهم رغم تعصبهم الشديد لقوميتهم القائمة على الدين، ودولتهم الدينية الوحيدة التي تجمع شتات اليهود في العالم على اختلاف قومياتهم وألسنتهم وأوطانهم؛ فهي الدولة الوحيدة في العالم التي جُعل الدين فيها قومية؛ فمَن أقرَّ لهم بهذه القيادة قرَّبوه وأدنوه ورفعوه، ومَن نازعهم في ذلك حاربوه وعادوه، وحاولوا إهلاكه.

والعجب أيضًا: أن أناسًا ينتسبون إلى القومية العربية وإلى الوطنية -على اختلاف أوطان المسلمين- ينادون بهذا المصطلح، ويسعون لتطبيق هذا المشروع من الاتحاد؛ الذي معناه فقدان هوية أوطانهم، بل فقدان معالم هذه الأوطان وحدودها أصلًا، ومعالم هذه القومية بالكلية، والذوبان في ملك اليهود، كما يزعم اليهود أنهم المقصودون بقول نوح -عليه السلام- في روايتهم لكتابهم المقدس: "أن يكون أبناء حام ويافث عبيد العبيد لأبناء سام!"، مع أن العرب يشاركونهم في السامية؛ إلا أنها غير معتبرة عندهم، ولا عند أي دول العالم الغربي وثقافاته المختلفة.

وقد أحببت أن أوضح في هذه السلسلة من المقالات حقيقة دين إبراهيم -عليه السلام- الذي هو دين الأنبياء جميعًا، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ ) (متفق عليه) .

الصفحة التالية