الفساد (80) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (8) الخلل الإعلامي في مواجهة كورونا
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
(فلم يكشف تفشي وباء "كوفيد -19" أوجه القصور في أقوى النظم الصحية في العالم فقط، بل كشف اختلالات التغطية الإعلامية وأوجه الضعف في نظام الإعلام الدولي، ففي الأسابيع الأولى من تفشي الوباء العالمي بدا بالنسبة لكثير من الصحفيين والمعلقين في الغرب كمرض بعيد قادم من الخارج، عندما كان مركز الوباء في الصين وإيران، وغيرها من دول آسيا باعتبارها من الدول التي أصابها الوباء في البداية، حينها لم تُظهِر وسائل الإعلام الغربية كثيرًا من الاهتمام في تحليل وتغطية أخباره -ولم يكن قد أعلن بعد أنه وباء علمي-، واتجهت التحليلات إلى تناول الوباء كاختبار لشفافية الدول السلطوية التي تحاول التغطية على نواحي القصور لديها.
ومع الوقت تحولت التغطية بشكل جذري عندما أقترب المرض إلى داخل الدول الغربية ذاتها ليصبح حدثًا أكثر محلية حتى غطت أخبار كورونا على جميع القطاعات الإخبارية الأخرى لأسابيع وحتى اليوم؛ إذ تزايدت الحاجة للحصول على المعلومات التفصيلية والخدمية نتيجة القرب الجغرافي والثقافي.
وعلى الرغم من هذا التغير في نطاق التغطية، ونبرة التغطية الإعلامية من الدولي إلى المحلي، فإن تغطية أخبار "كوفيد - 19" تجعلنا نرى الاختلالات في صناعة الأخبار على مستوى العالم بشكل أكثر وضوحًا)، (إن نظم الإعلام الدولية وآليات صناعة الأخبار تؤثِّر بشكلٍ كبيرٍ في طبيعة التغطية الإعلامية الناتجة)؛ لذا (ينبغي على الإعلام -بل ويمكنه أيضًا خاصة في ظل خطورة تداعيات هذا الوباء وتعدد أوجهها- أن يؤدي أداء أفضل ليس فقط على مستوى التوعية الطبية، بل كذلك من حيث تسليط الضوء على قضايا تتعلق بالمهمشين، مثل: عدم عدالة توزيع الموارد ومن أهمها الخدمات الصحية والعلاجية) (انظر: "مجلة الديمقراطية" عدد يوليو 2020 م، ص 94 - 95 بتصرفٍ) .
أرقام إحصائية بلا تحليل ونقد:
مالت التغطية الإعلامية في كافة وسائل الإعلام إلى التركيز على الأرقام الإحصائية لتتبع حالات "كوفيد - 19"، حيث (تتصدر عدد الإصابات الجديدة والعدد الإجمالي للحالات وعدد الوفيات عناوين الأخبار، ولكن تغفل هذه التغطية شيئًا حيويًّا لفهم انتشار الوباء؛ فهي لا تقدم سياقات مجتمعية، ولا تناقش إن كان المرض انتشر في بؤرة أو داخل أسرة أو لا، بل لا تقدِّم بشكلها الحالي حتى عدد الحالات مقارنة بعدد السكان أو الناتج المحلي الإجمالي لبلد ما أو جاهزية النظام الصحي، فانتشار المرض في بلد تعاني من تبعات صراع مسلح، وتردي البنية التحتية -مثل: اليمن-، يختلف تمامًا عن انتشاره في بلد مستقر نسبيًّا -مثل: تونس-، وذلك في نفس الدائرة الثقافية.
واتسمت التغطية الإعلامية بشكل عام بعدم التركيز على قضايا: كالفقر وعدم المساواة، أو انتقاد ضعف النظم الصحية، بل وضعت التغطية الإعلامية ضغوطًا على الفرد ومدى وعيه ليتأقلم على الأوضاع باسم الوطنية). إن (من الخيارات الممكنة الاعتماد على صحافة البيانات لمقارنة مسار الفيروس عبر الدول، مثل: استخدام الرسوم البيانية التي تظهر دول العالم في ثلاث مراحل من مكافحة الوباء: دول تجاوزت الوباء، ودول في مرحلة مكافحته، ودول تحتاج لبذل مزيد من الجهود لمواجهته لارتفاع مؤشر الإصابات باستمرار)، (وتعد الرسوم البيانية مصدرًا خصبًا لمقارنات ثرية على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية التي يمكن أن تلهم الصحفيين لتوجيه الأسئلة الصحيحة، وتفكيك الثنائيات النمطية السائدة، مثل: الدول الغربية، وغير الغربية، والديمقراطية والسلطوية والصناعية والنامية. فالانطلاق من السياقات الكلية يمكن أن يوسع دور الصحافة من مجرد العرض والوصف المجرد للحقائق إلى الفهم والنقد والتحليل) (المصدر السابق، ص 97 بتصرف) .
نشر الخوف والفزع من الوباء:
مع تفشي وباء كورونا استخدم الإعلام لغة تنشر الخوف والذعر بشكل كبير بين الجمهور، ويعني التناول الأمني اقتصار رؤية الأمور على الأمن القومي في الخطاب الإعلامي فقط، من خلال تسليط الضوء على الإجراءات العقابية والتداعيات السلبية فقط، بدلًا من تسليط الضوء على الجوانب الإنسانية أو التنموية أو التضامن لتحقيق الصالح العام)، (فالخوف محرك إنساني يضفي الأهمية على القضايا، وبينما يعد موضوع "كوفيد - 19" موضوعًا مهمًّا وتهديدًا للصحة العامة بالفعل؛ إلا أن المبالغة في نشر الذعر العام يمكن أن تؤدي إلى نتائج عكسية، منها: الانفضاض عن القضية تمامًا، وهذا ما توصلت له المسوح الحديثة بالفعل؛ إذ زاد معدل تجنب الأخبار، وزادت معدلات هروب الجمهور إلى المضامين الترفيهية مثلما أظهرت مواقع التواصل الاجتماعي زيادة في سلوكيات الدعاية والسخرية من الأزمة) (راجع المصدر السابق، ص 97) .
نقص المعلومات وفقد الشفافية:
(وفي الجانب الآخر: لا ينبغي أن يكون دور الصحافة الأساسي هو تسليط الضوء على الإنجازات الحكومية فحسب، حاليًا يتحدث الصحفيون العرب بالفعل عن الصعوبات المتزايدة لأجل الحصول على معلومات بشفافية نتيجة خوف المصادر من التحدث) (المصدر السابق، ص 97) .
إن إخفاء المعلومات عن الإعلاميين أو تجنب الإعلاميين للشفافية والمصداقية يفتح الباب للبحث عن المعلومات من مصادر مضللة أو غير محترفة؛ مما يوفِّر بيئة خصبة للإشاعات والأخبار الكاذبة.
لقد (تمكنت مواقع التواصل الاجتماعي من تغيير بنية إمداد الجمهور بالمعلومات؛ فبقدر ما يمكن أن تؤدي هذه المواقع إلى نشر الأخبار بسرعة أكبر، فإنها أيضًا تسهم في زيادة نشر المعلومات المضللة أو ما يطلق عليه الأخبار الزائفة)؛ مما تسبب في انتشار المعلومات المضللة في كافة دول العالم، التي وَجدت في مواقع التواصل الاجتماعي مجالًا خصبًا لنشر المعلومات وتداولها دون تدقيق أو مراجعة من الصحفيين المحترفين.