شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (80) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (8) الخلل الإعلامي في مواجهة كورونا

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

(وبينما لكل مجتمع نصيبه من انتشار المعلومات المضللة به، ففداحة انتشارها مرهون بنظام إعلامي مستقل يجعل المواطنين أكثر حصانة من خلال توفير معلومات دقيقة تتسم بالمصداقية؛ ولذلك يعد انصراف الجمهور عن الإعلام إلى مواقع التواصل الاجتماعي فحسب كمصدر أساسي للأخبار مؤشرًا دالًّا على فقدان التأثير في الأزمات.

من جانب آخر: يمكن أن يقدم الإعلام المرئي نموذجًا مثاليًّا يُحْتَذَى به؛ ففي المرحلة الأولى للأزمة روجت وسائل الإعلام الدولية للتدابير الاحترازية للسلامة وللوعي من خلال تطبيق قواعد التباعد الاجتماعي في المؤتمرات في المؤتمرات الصحفية، أو من خلال تزايد الاعتماد على وسائل التواصل عن بُعد عبر تقنيات الفيديو كونفرانس في برامج الإعلام، أو التخلي عن الجمهور في البرامج الحوارية دون إثارة الموضوع بشكل مباشر) (راجع المصدر السابق، ص 96) .

اختلالات في التغطية الإعلامية:

لقد كان للصحفيين جهودًا في تحسين جودة الإنتاج الإعلامي (من خلال بناء تحالفات للصحفيين عابرة للدول لتبادل مصادر المعلومات، أو دفع الاهتمام بمنصات الإعلام العالمي؛ لأن مواجهة تداعيات الأزمة يحتاج التكاتف عبر الدول سواء حكومات أو إعلاميين)، ولكن التغطية الإعلامية لم تخلو مِن العديد من الاختلالات، منها:

- التركيز على النخب والمشاهير، وشخصنة القصص الخبرية، مثلما تتبع الإعلام النجوم والسياسيين الذين أصيبوا بالفيروس.

- إثارة القضايا الجدلية الساخنة التي حَوَّلت الأخبار العلمية إلى صراعات شخصية مثيرة؛ فـ(في الإعلام الألماني تَصَدَّر خلاف شهير بين علماء الفيروسات في ألمانيا عناوين الأخبار لأسابيع، خاصة بعد زيادة الاستعانة بهم في نشرات الأخبار اليومية، وبينما يظهر الاعتماد الزائد على الخبراء تحولًا حميدًا نحو تنويع المصادر واتجاهًا لتقديم العلم، والذي نادرًا ما يحظى بمثل ذلك الاهتمام وتسليط الأضواء في الأخبار المعتادة؛ إلا أن طغيان الطابع الشخصي على القضية -بدلًا من عرض الحقائق- أضر وشتت الجمهور) (راجع المصدر السابق، ص 98) .

- (مِن الاختلالات الواضحة كذلك سيطرة ونفوذ جماعات الضغط (اللوبي)، ومثال على ذلك: الوقت الذي أفردته برامج تليفزيونية على الهواء مباشرة لمناقشة ضرورة العودة إلى المسابقات الرياضية -خاصة لعبة كرة القدم الاحترافية- بمجرد تراجع ذروة تفشي الفيروس في ألمانيا؛ هنا نلحظ: تأثر وسائل الإعلام بجدول أعمال جماعات الضغط والمعلنين باعتبار الإعلانات مصدر دخل مهم؛ إضافة إلى تحيز الإعلام إلى الصحفيين الرياضيين الذين باتوا بلا عمل يومي، وأسفر ذلك عن تخفيف جزئي للقيود المفروضة على الرياضة، لكن في الوقت نفسه لم تحظَ احتياجات القطاعات الأخرى التي تعاني من تبعات الإغلاق العام بنفس الاهتمام، مثل: قطاع الثقافة والمكتبات، والتعليم والمهاجرين، والأُسر بمثل هذا الاهتمام البارز في التغطية لإعلامية) (انظر المصدر السابق، ص 98) .

أزمة الإعلام العربي:

يعاني الإعلام في العالم العربي بعد عقود عديدة من الاستقلال والتحرر من الاستعمار العسكري من أزمة كبيرة تلقي بظلالها على أداء هذا الإعلام بدوره المنشود، والمساهمة المطلوبة في توجيه الأمة نحو الإصلاح، وقد ساهمت أزمة كورونا في إبراز وإظهار مدى معاناة الإعلام العربي في صوره المختلفة.

إن العالم العربي يمر (حاليًا بمرحلة تحول انتقالي بالغة الصعوبة والتعقيد، تتشابك فيها التحولات العالمية والدولية مع المتغيرات المحلية السياسية والاقتصادية والثقافية، ويتم ذلك في مشهد عربي بانورامي يزخر بالمتناقضات، حيث يتزامن القديم والجديد والوافد والموروث دون تفاعل حقيقي، وتهيمن فيه السياسة على الثقافة، وتتسع الفجوة بين التقليدي والعصري في مختلف مجالات الحياة، وتخضع في مجمله لطغيان الثقافة الاستهلاكية التي تمارسها القوى العالمية المسيطرة على وسائل الإعلام المرئي والمسموع، وتساندها الحكومات العربية التي لا تزال تحكم قبضتها على وسائل الإعلام من حيث السياسات ومصادر المعلومات وملكية وسائل الإعلام، وتشريعيًّا من خلال ترسانة قوانين محكمة. (راجع: "الصحافة والإعلام: أزمات - قضايا - رؤى بديلة" د. عواطف عبد الرحمن، دار المعارف - سلسلة اقرأ - ط. أولى سبتمبر2020 م، 11 بتصرف) .

(إن هناك صراعًا دائمًا بين تيار الإصلاح المطالب بإطلاق الحريات، خصوصًا حرية الصحافة وبين التيار المعادي للحريات والمتغلغل داخل نسيج النظم العربية الحاكمة الذي يسعى بدأب لتشديد القبضة الحديدية على حرية الصحافة والإعلام؛ بحجة حرمان الإرهابيين من اختراق الرأي العام، أو بذريعة حماية الأمن القومي. والواقع أنه لا يمكن للإعلام أن يقوم بدوره سياسيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا دون إطار ثقافي اجتماعي يساعد على ترسيخ قيم الممارسة الديمقراطية ومبادئها).

(ويشير المشهد الثقافي في العالم العربي إلى وجود ثلاثة أنواع من الثقافات تتداخل وتتلاقح:

- ثقافة الخضوع والاستكانة الناتجة عن الطبيعة الأبوية السلطوية للمجتمع العربي.

- ثقافة التبعية التي تكرس التقليد والاقتباس من الثقافة الغربية بشقيها الأنجلوفوني والفرانكوفوني، وتسود هذه الثقافة بين النخب السياسية والثقافية، وتترسخ من خلال وسائل الإعلام المرئي والمقروء والمسموع.

- ثقافة المشاركة التي تعد ركيزة أساسية للممارسة الديمقراطية، وتشهد تراجعًا ملحوظًا في العالم العربي.

وهذا يعني أن أنماط الثقافة السائدة تسير في اتجاه لا يشجع على الممارسة الديمقراطية الحقيقية، بل يساند الممارسة السياسية والإعلامية التي تقوم على التعددية الشكلية، والتي لا تسعى إلى ترسيخ حقوق المواطنة السياسية والثقافية والإعلامية.

الصفحة السابقة الصفحة التالية