شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فوائد وعِبَر مِن قصة نبي الله الخضر -عليه السلام- (2) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

(رحلة موسى -عليه السلام- إلى الخضر، وفضل الرحلة في طلب العلم)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- تذكير بما سبق باختصار.

- الإشارة إلى تناول القصة من خلال حديث قصة موسى والخضر -عليهما السلام-؛ لما فيها من تفصيل مجمل القرآن، ثم الإشارة إلى تقطيع القصة إلى مشاهد، مع الوقوف على الفوائد والعِبَر في كل مشهد.

- الإشارة إلى أن قصة الخضر -عليه السلام- هي قصة العلم وأهله.

(1) المشهد الأول: سبب القصة:

روَى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن سعيدِ بن جُبَير قال: قلتُ لابن عباس: "إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ، سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: قَامَ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ، قَالَ فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ مُوسَى: أَيْ رَبِّ كَيْفَ لِي بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ".

الفوائد والعِبَر حول المشهد الأول:

- رد الفضل في كل شيء إلى الله -تعالى-، فقد عاتب الله نبيًّا على ذلك، مع كونه أعلم الناس، فأجرى عليه هذه القصة لتكون درسًا لنا: ففي الحديث: "فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ، قَالَ فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ".

- تواضع موسى في استعداده وسؤاله عن كيفية لقاء الخضر وهو أعلم منه بلا شك: ففي الحديث: "فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ مُوسَى: أَيْ رَبِّ كَيْفَ لِي بِهِ؟" (1) .

صور مِن تواضع العلماء (2) :

- تواضع عطاء بن أبي رباح: قال عطاء بن أبي رباح: "إن الرجل ليُحدِّثني بالحديث، فأنصت له كأني لم أسمعه، وقد سمِعتُه قبل أن يولد" (سير أعلام النبلاء للذهبي) .

- تواضع أحمد بن حنبل: "قال يحيى بن معين: ما رأيتُ مثل أحمد، صحبناه خمسين سنةً، ما افتخر علينا بشيء مما كان فيه من الخير" (سير أعلام النبلاء) .

(2) المشهد الثاني: ارتحال موسى للقاء الخضر -عليهما السلام-:

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ثَمَّ فَأَخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا فَنَامَا، وَاضْطَرَبَ الحُوتُ فِي المِكْتَلِ، فَخَرَجَ مِنْهُ فَسَقَطَ فِي البَحْرِ ( فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبًا ) (الكهف:61) ، وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جِرْيَةَ المَاءِ، فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلَ الطَّاقِ ، وفي رِواية: ( حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَنَزَلاَ عِنْدَهَا، قَالَ: فَوَضَعَ مُوسَى رَأْسَهُ فَنَامَ، وَفِي أَصْلِ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا: الحَيَاةُ لاَ يُصِيبُ مِنْ مَائِهَا شَيْءٌ إِلَّا حَيِيَ، فَأَصَابَ الحُوتَ مِنْ مَاءِ تِلْكَ العَيْنِ، فَتَحَرَّكَ وَانْسَلَّ مِنَ المِكْتَلِ، فَدَخَلَ البَحْرَ )، وفي روايةٍ: ( فَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُ جِرْيَةَ البَحْرِ، حَتَّى كَأَنَّ أَثَرَهُ فِي حَجَرٍ ) قَالَ لِي عَمْرٌو: هَكَذَا كَأَنَّ أَثَرَهُ فِي حَجَرٍ، وَحَلَّقَ بَيْنَ إِبْهَامَيْهِ وَاللَّتَيْنِ تَلِيَانِهِمَا. (رواه البخاري) . فقال فتاة: لا أُوقِظه حتى يستيقظَ، فلمَّا استيقظ نسِي صاحبه أن يُخبرَه بالحوت، فانطلقَا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغدِ قال موسى لفتاه: ( آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا )، ولم يجِدْ موسى النصبَ حتى جَاوَزَ المكان الذي أمرَه الله به، قال له فتاه: ( قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إلى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ) قَال: فَكَان لِلحُوت سَرَبًا، ولمُوسَى وفَتَاه عَجَبًا، فَقَال: ( ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ).

الفوائد والعِبَر حول المشهد الثاني:

1- فضل العلم حيث سافر نبي في طلبه فهو الرشاد والهدى:

( قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ) (الكهف:64) ، وقال -تعالى-: ( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ) (طه:114) ، وقال -تعالى-: ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (الزمر:9) ، وقال -تعالى-: ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) (المجادلة:11) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ) (رواه مسلم) .

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) . وروي عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: "العلم خيرٌ من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم يزكو من النفَقَة، والمال تنقصه النفَقَة، والعلماء باقون في الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة".

الصفحة التالية