شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فوائد وعِبَر مِن قصة نبي الله الخضر -عليه السلام- (2) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

وقيل لابن المبارك -رحمه الله-: "إلى متى تطلب العلم؟ قال: حتى الممات -إن شاء الله-".

وقال ابن مناذر: "سألت أبا عمرو بن العلاء: حتى متى يحسُن بالمرء أن يتعلم؟ فقال: ما دام تحسن به الحياة".

وسُئِل سفيان بن عيينة: "مَن أحوج الناس إلى طلب العلم؟ قال: أعلمهم؛ لأن الخطأ منه أقبح".

وقال المنصور بن المهدي للمأمون: "أيحسن بالشيخ أن يتعلَّم؟ فقال: إن كان الجهل يعيبه، فالتعلُّم يحسن به".

وقال أبو غسان: "لا تزال عالمًا ما كنت متعلمًا؛ فإذا استغنيت كنت جاهلًا".

2- فضل الرحلة في طلب العلم والرغبة في تحصيله:

ففي القصة: ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى? لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى? أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ) (الكهف:60) ، وعن كثير بن قيس قال: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، أَتَيْتُكَ مِنَ الْمَدِينَةِ، مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: قَالَ: فَمَا جَاءَ بِكَ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: وَلَا جَاءَ بِكَ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .

وقال جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-: "بلغني حديث عن رجل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فابتعتُ بعيرًا فشددت عليه رَحْلي، ثم سرت إليه شهرًا، حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أُنَيس الأنصاري، فأتيتُ منزله وأرسلت إليه أنَّ جابرًا على الباب فرجع إليَّ الرسول. فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم، فخرج إليَّ فاعتنقته واعتنقني، قال: قلت: حديثٌ بلغني عنك أنك سمعته مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المظالم لم أسمعه أنا منه" قال: فذكر الحديث.

- ورحل أبو أيوب الأنصاري من المدينة إلى مصر ليسألَ عقبة بن عامر عن حديثٍ سمعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سِتر المسلم لم يبقَ ممَّن سمعه من الرسول -صلى الله عليه وسلم- غيره وغير عقبة، فلمَّا سأله عن الحديث، ركب راحلته وانصرف إلى المدينة وما حلَّ رحله.

وقال سعيد بن المسيب: "إن كنتُ لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد".

وقال الشعبي قال: حدَّثَنا أبو بُرْدَة عن أبيه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "وذكر الحديث"، ثم قال: "خذها -يعني: بغير شيء- قد كان الرجل يرحل فيما دونها إلى المدينة".

3- اختيار الرفيق في الرحلة:

خروج موسى ومعه فتاه يوشع: عن مبارك بن سعيد قال: أردت سفرًا فقال لي الأعمش: "سل ربك أن يرزقك صحابة صالحين، فإن مجاهدًا حدثني قال: خرجت من واسط، فسألت ربي أن يرزقني صحبة، ولم أشترط في دعائي، فاستويت أنا وهم في السفينة، فإذا هم أصحاب طنابير -يعني معازف-" (الجامع لأخلاق الراوي، والمجالسة وجواهر العلم) .

وقال بعض السلف: "التمسوا الرفيق قبل الطريق".

وقيل: "ابتغِ الرفيق قبل الطريق، فإن عرض لك أمر نصرك، وإن احتجت إليه رفدك"-يعني أعانك-.

وقال الأصمعي: "كان يقال: الصاحب والرفيق رقعة في قميص الرجل فلينظر بمن يرقعه" (الجامع لأخلاق الراوي) .

وقال مجاهد: "صحبت ابن عمر وأنا أريد أن أخدمه، فكان هو الذي يخدمني".

وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال: "للسفر مروءة، وللحضر مروءة؛ فأما مروءة السفر: فبذل الزاد، وقلة الخلاف على أصحابك، وكثرة المزاح في غير سخط الله".

وقال عمر بن مناذر: "كنت أمشي مع الخليل بن أحمد، فانقطع شسعي فخلع نعليه، فقلت: ما تصنع؟ قال: أواسيك في الحفاء" (الجامع لأخلاق الراوي) .

4- حكم الرحلة في طلب العلم:

حكمها يختلف بحسب حال الشخص والعلم الذي يريد أن يتعلمه:

- فإن كان علم فرض لا يمكن تحصيله إلا بالرحلة وجب عليه أن يرحل ويأثم لو لم يرحل، والله قد قال: ( فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ ) (التوبة:122) ، فطلب العلم فريضة على كل مسلم، وقد أوجب الله الخروج لتحصيل العلم الواجب تحصيله.

- وقد تكون الرحلة مستحبة إذا كان لزيادة علم للزيادة من علم ليس فرضًا تحصيله.

- وقد تكون مكروهة إذا كان يمكن أن يكون في بلده يحصل العلم، فإذا رحل تألم أهله مثلًا، وأولاده للفراق.

- وقد تكون الرحلة محرمة إذا كان فيها تضييع للأولاد والأهل مع عدم وجود ما يوجب عليه الذهاب، أو إذا قصد بالرحلة حب الظهور والشهرة، وأن يقال: رحل للقاء فلان أو فلان، ويعدد المشايخ والبلدان، ونحو ذلك (3) .

خاتمة: عود إلى القصة:

- وهكذا رحل نبي الله موسى -عليه السلام- لطلب العلم على يد نبي الله الخضر -عليه السلام-؛ فكيف كان اللقاء؟ وما الشروط التي وضعها الخضر -عليه السلام- لقبول موسى -عليه السلام- طالبًا؟ وكيف كان أدب موسى -عليه السلام- وصبره في الطلب؟

هذا ما يأتي حوله الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله-.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المقصود: بـ"هو أعلم منك" حيث عَلِم بعض المسائل التي لا يعلمها موسى -عليه السلام-، وإن كان موسى -عليه السلام- أعلم منه فيما دون ذلك.

(2) أين الكثير من طلاب العلم من هذا الخُلُق؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية