فوائد وعِبَر مِن قصة نبي الله الخضر -عليه السلام- (2) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
قال الشيخ عبد الله الحكمي: "ظهرت نابتة من صغار الطلاب، تعاملوا مع الكتب ولم يجالسوا ويلزموا أهل العلم يتأدبوا بأدبهم، ويتعلموا من سمتهم وهديهم، فظهرت لديهم ظواهر لا تليق بطلاب العلم: كالتعالم، والتعالي، وعدم الاعتراف بالخطأ، والرغبة الجامحة في تتبع أخطاء أهل العلم، والفرح بالرد عليها، وإفرادها في كتب مستقلة، وتسمع في كلامهم، وتقرأ في كتاباتهم ما يترجم عن حقيقة هذا المسلك عندهم، كأن تسمع مَن يقول منهم: هذا منهجنا الذي نسير عليه من زمن بعيد، ومن يعرفنا يدرك ذلك في دروسنا، ومؤلفاتنا.
وقال آخر: حققنا هذه المسألة في كتابنا الفلانيّ بما لا مزيد عليه. وتجد آخر يقول: وانظر لزامًا ما كتبناه في هذه المسألة في كتابنا الفلاني. وتجد من يقول: نحن مِن أعرف الناس بهذا العلم، وتصانيفنا تشهد بذلك.
ومِن ذلك الإسراف في تكرار كلمة (قُلتُ) على سبيل الاعتداد، وهي كلمة لا تجدها في تصانيف كثير من الحفاظ الأعلام. وإنك لتسمع مثل هذا الكلام من صغار بعض الطلاب الذين لم يخطّ الشيب مفارقهم والله المستعان (موقع المتون العلمية - مقالة بعنوان: صور من تواضع العلماء) .
وقال إسماعيل بن إسحاق السراج: "قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل أول ما رأيته: يا أبا عبد الله، ائذن لي أن أُقبِّلَ رأسك، قال: لم أبلغ أنا ذاك" (الآداب الشرعية لابن مفلح) .
- تواضع أحمد بن تيمية: "قال عمر بن علي البزار عن شيخه أحمد بن تيمية: وأما تواضع ابن تيمية، فما رأيت ولا سمعت بأحد من أهل عصره مثله في ذلك، كان يتواضع للكبير والصغير، والجليل والحقير، والغني الصالح والفقير، وكان يدني الفقير الصالح ويكرمه ويؤنسه، ويباسطه بحديثه المستحلى زيادة على مثله من الأغنياء؛ حتى إنه ربما خدمه بنفسه، وأعانه بحمل حاجته جبرًا لقلبه وتقرُّبًا بذلك إلى ربِّه" (الأعلام العلية للبزار) .
(3) فائدة حول الرحلة في زماننا المعاصر:
- مطالب الحياة الدنيا الآن في هذا الزمان قد تعقدت وزادت -المآكل والمشارب والملابس والبيوت-، وليست كما كانت في الماضي في سهولة عيش الناس، وفي يسر أمورهم، فالسفر الآن يحتاج إلى تأشيرات وجواز سفر، ويحتاج إلى تصديق وأختام وأشياء، وتضييق في الحدود وفي المطارات؛ ولذلك لابد من مراعاة لهذه الظروف الموجودة. فالرحلة ليست مطلوبة لذاتها وليست شهوة، فإن السفر قطعة من العذاب، وليس من المصلحة أن يترك الإنسان أهله ويمشي إلا لشيء أعظم.
وعليه فإن وَجَد طالب العلم العلماء في البلد فلا داعي حينئذٍ للسفر؛ لاسيما وأن طلب الإسناد ورواية الحديث قد انقطع، ولم يبقَ إلا لقاء الشيوخ والعلماء.
قال الخطيب البغدادي -رحمه الله- في كتابه الجامع: "المقصود في الرحلة في الحديث أمران: أحدهما: تحصيل علو الإسناد وقدم السماع. والثاني: لقاء الحفاظ والمذاكرة لهم، والاستفادة منهم، فإذا كان الأمران موجودين في بلد الطالب ومعدومين في غيره فلا فائدة في الرحلة" (الجامع لأخلاق الراوي) .