شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (3)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

قصة بناء الكعبة (1)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن ارتباط الكعبة بإبراهيم -صلى الله عليه وسلم- ثم بمحمد -صلى الله عليه وسلم- له أهمية عظيمة ببيان الدين الحق الذي هو دين إبراهيم ودين محمد -صلى الله عليهما وسلم-؛ لأن الكعبة هي أول بيت بُني لعبادة الله في الأرض، قال -عز وجل- ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ) (آل عمران:96) ، بناه إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-.

وهو البيت الذي جعله الله قِبْلةً لآخِر الأمم ولآخِر الزمان خلافًا للأمم السابقة من بني إسرائيل التي كانت قبلتهم لبيت المقدس، الذي بناه أيضًا إبراهيم -عليه السلام- أو إسحاق أو يعقوب -عليهما السلام-؛ إذ بيْن بناء الكعبة وبين بناء المسجد الأقصى أربعون عامًا، كما في حديث أبي ذر -رضي الله عنه- في صحيح مسلم: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرْضِ أوَّلُ؟ قالَ: ( المَسْجِدُ الحَرامُ ) قُلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: ( المَسْجِدُ الأقْصى )، قُلتُ: كَمْ بيْنَهُما؟ قالَ: ( أرْبَعُونَ سَنَةً ).

وهذا الأمر له إشارات في الكتب المتقدمة في تحوُّل المدينة المقدسة من القدس إلى المدينة المقدسة الجديدة "مكة المكرمة"، وهذا لِيَدُلَّنا على أن دين إبراهيم والحجَّ إلى بيت الله الحرام سيكون في آخر الزمان حول الكعبة المشرفة، وعند الأمة التي تعظمها "وهي الأمة الإسلامية" التي هي الأمة العظيمة التي بشَّر الله إبراهيم في إسماعيل أن يجعل مِن ذريته أمة عظيمة لا غيرها؛ إذ لا عظمة للعرب أصلًا بعد إسماعيل -عليه السلام- إلا بعد بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي أخرجهم الله به مِن الظلمات إلى النور.

فلن يكون دين إبراهيم أبدًا إلا باتِّباع القِبلة التي بناها، وعظَّمها الله ببنائه هو وابنه إسماعيل إيَّاها، وإسماعيل هو أبو الأمة العظيمة أمة الإسلام، قال الله -تعالى-: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ . وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) (البقرة:124-130) .

قال الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "يقول -تعالى- مُنبهًا على شرف إبراهيم خليله -عليه السلام-، وأن الله -تعالى- جعله إمامًا للناس يُقتدَى به في التوحيد؛ حين قام بما كلَّفه الله به من الأوامر والنواهي.

ولهذا قال: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ) أي: واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملة إبراهيم وليسوا عليها، وإنما الذي هو عليها مستقيم فأنت والذين معك من المؤمنين؛ اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم، أي: اختباره له بما كلَّفه به من الأوامر والنواهي. ( فَأَتَمَّهُنَّ ) أي: قام بهن كُلِّهن، كما قال -تعالى- ( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) (النجم: 37) ، أي: وَفَّى جميع ما شُرع له، فعمل به -صلوات الله عليه وسلامه-، وقال -تعالى-: ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (النحل:120-123) ، وقال -تعالى-: ( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (الأنعام:161) ، وقال -تعالى-: ( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) (آل عمران:67-68) .

الصفحة التالية