الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (3)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وقوله -تعالى-: ( بِكَلِمَاتٍ ) أي: بشرائع وأوامر ونواهٍ، فإن الكلمات تطلق ويُراد بها الكلمات القدرية، كقوله -تعالى- عن مريم -عليه السلام-: ( وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ) (التحريم:12) ، وتطلق ويراد بها الشرعية، كقوله -تعالى-: ( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ) (الأنعام:115) ، أي: كلماته الشرعية -( قلتُ: والصحيح أن قوله: ( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ): تشمل الكلمات الشرعية والكلمات الكونية أيضًا؛ فإنها كلها عدل وصدق)-، وهي إما خبر صدق، وإما طلب عدل؛ إن كان أمرًا أو نهيًا، ومِن ذلك هذه الآية الكريمة: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) أي: قام بهن. ( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) أي: جزاءً على ما فعل، كما قام بالأوامر وترك الزواجر؛ جعله الله للناس قدوة وإمامًا يُقتدَى به، ويُحتذى حذوه.
وقد اخْتُلف في تعيين الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل -عليه السلام-؛ فرُوي عن ابن عباس في ذلك روايات، فقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: قال ابن عباس: ابتلاه الله بالمناسك. وكذا رواه أبو إسحاق السبيعي، عن التميمي، عن ابن عباس.
وروى عبد الرزاق أيضًا عن ابن عباس: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ) قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد؛ في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفَرْق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء.
قال ابن أبي حاتم: ورُوي عن سعيد بن المسيب، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وأبي صالح، وأبي الجلد نحو ذلك.
قلتُ: وقريب من هذا ما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (عَشرٌ منَ الفِطرةِ: قصُّ الشّاربِ، وإعفاءُ اللِّحيةِ والسِّواكُ والاستِنشاقُ وقصُّ الأظفارِ وغَسلُ البَراجمِ ونَتفُ الإبطِ وحَلقُ العانةِ وانتِقاصُ الماءِ، قالَ زَكَريّا: قالَ مُصعبٌ: ونَسيتُ العاشِرَةَ إلّا أن تَكونَ المَضمضَةُ).
قال وكيع: انتقاص الماء؛ يعني: الاستنجاء.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الفطرةُ خمسٌ: الختانُ، والاستحدادُ، وتقليمُ الأظفارِ، ونتفُ الإبطِ، وقصُ الشاربِ) ولفظه لمسلم.
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أنه كان يقول في هذه الآية: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) قال: عشر؛ ست في الإنسان، وأربع في المشاعر؛ فأما التي في الإنسان: حلق العانة، ونتف الإبط، والختان -وكان ابن هبيرة يقول: هؤلاء الثلاثة واحدة- وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والسواك، وغُسل يوم الجمعة. والأربعة التي في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة.
وقال داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: ما ابْتُلِي بهذا الدِّين أحد فقام به كله إلا إبراهيم، قال الله -تعالى-: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنّ َ) قلت له: وما الكلمات التي ابْتَلى الله إبراهيم بهن فأتمهن؟ قال: الإسلام ثلاثون سهمًا، منها: عشر آيات في براءة: ( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (التوبة:112) ، إلى آخر الآية، وعشر آيات في أول سورة ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون ) (المؤمنون:1) ، و( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) (المعارج:1) ، وعشر آيات في الأحزاب: ( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) (الأحزاب:35) ، فأتمهن كلهن؛ فكُتبت له براءة، قال الله: ( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) (النجم:37) . وهكذا رواه الحاكم، وأبو جعفر ابن جرير، وأبو محمد ابن أبي حاتم بأسانيدهم إلى داود بن أبي هند به" (تفسير ابن كثير) .
وللحديث بقية -إن شاء الله تعالى-.