الفساد (81) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (9) مغبة تحويل كرة القدم إلى صناعة واحتراف
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمما لا شك فيه أن لممارسة الرياضة أهمية كبيرة في حياة الإنسان، فهي وسيلة إلى تمتع البدن بالصحة والعافية، وتكسبه القدرة على العمل والإنتاج، وهي كذلك وسيلة من وسائل الترفيه وتجديد النشاط.
ومن هنا تأتي أهمية أن يمارس كل إنسان الرياضة التي تناسِب مرحلته السنية، ويجعل لها جزءًا لا يتركه في حياته؛ وللأسف ففي غمرة تقليدنا للغرب أخذنا عنه نظرته المادية للرياضة، والتي حول فيها الرياضة إلى وسيلة للتكسب، ومهنة يعيش عليها كثيرون، من خلال الاحتراف في ممارسة لعبة من الألعاب الرياضية في أحد الأندية الرياضية، والتفرغ لها ليل نهار، والحصول من وراء ذلك على الأموال الطائلة من خلال هذا الاحتراف، في ظل مسابقات كثيرة محلية وإقليمية ودولية تجلب لهذه الأندية الرياضية المليارات من الأموال، من خلال مئات الملايين من عشاق هذه الألعاب الذين يدفعون الأموال من أجل متعة المشاهدة لهذ الفريق أو ذاك بنجومه المحترفين.
بل تحولت هذه الألعاب الرياضية -خاصة اللعبة الشعبية الأولى كرة القدم- إلى صناعة يساهم في إنتاجها وتسويقها والاستفادة منها: الملايين، في كل بلاد العالم مِن اللاعبين والمدربين، والإداريين المحترفين، ومن ورائهم يستفيد رؤساء أندية، وموظفون وعمال، ومِن خلفهم كتائب لا تُحْصَى من الصحفيين والكتاب الرياضيين والإعلاميين، ومن مقدمي البرامج الرياضية والمعلقين، يتتبعون ويحللون ويقدمون التوقعات، من خلال آلاف الصحف والمجلات والصفحات الرياضية، والمواقع والقنوات المتخصصة في هذا الشأن، ويتابعها بشغف ولهفة مئات الملايين في كل أنحاء العالم شرقًا وغربًا؛ ناهيك عن نظام المراهنات حول نتائج المباريات والمسابقات، وهو قمار صريح، تفرضه الهيئات والاتحادات المهيمنة على الألعاب الرياضية على مستوى العالم، وكل هذه أمور غير مستقيمة؛ إذ لا يصح أن تكون ممارسة الرياضة مهنة يُتكسب منها، ولا يجوز احترافها، ولا شغل كل الأوقات بها، ولا المراهنة عليها.
وجاءت أزمة كورونا لتفرض على الدول أوضاعًا لا مفر منها تحتم العزل الاجتماعي، ومنع التجمعات ووقف الأنشطة الجماعية؛ أي: إغلاق الأندية الرياضية والاجتماعية، وتوقف كل الأنشطة والمسابقات والمباريات الرياضية المحلية والدولية حفاظا على الأرواح، ومنعًا لتفشي فيروس كورونا المستجد، الذي يتميز بسرعة الانتشار؛ خاصة مع عدم وجود لقاح أو مصل للتعامل معه، بل وعدم وجود بارقة أمل في إنتاج لقاح له قريبًا.
وهنا ظهرت المعضلة في ظل تحول الرياضة إلى مهنة واحتراف، وصناعة يتعلق بها الملايين ويعيشون عليها لا مصدر لهم للتكسب إلا بها، وبين فيروس قاتل لا يرحم، يحصد آلاف الأرواح كل يوم بلا أمل في التصدي الفعَّال له.
وأصبح ظاهرًا للعيان خطأ تعرض الأرواح للخطر مِن أجل متعة المشاهدة، والمتابعة للمباريات والمسابقات، أو إرضاء مَن جعلوا هذه المباريات والمسابقات وسيلة كسبهم ومعاشهم، بل أصبح ظاهرًا للعيان كذلك أنه يمكن العيش بدونها وأنها ليست ضرورية لاستمرار الحياة، بل يمكن الحياة بدونها لمن لم يعلِّق كسبه ومتعته بها، وجعل لحياته هدفًا أعلى وأعظم، ولكن كان لمن احترفوا كرة القدم وجعلوها صناعتهم رأي آخر أوقع الكثيرين في ضرر بالغ، حرصًا على مصالحهم وأهوائهم؛ كيف ذلك؟ سنرى.
التأخر في مواجهة الأندية للأزمة:
ظهرت الأزمة وتفشَّى الفيروس، وكان لابد من الإسراع بالمواجهة بدءًا بمنع التجمعات والأنشطة الاجتماعية، أي: إيقاف كل الأنشطة الرياضية، وكل المباريات والمسابقات والتدريبات حفاظًا على أرواح المشجعين واللاعبين، وإلا سيحدث ما لا يحمد عقباه، ولكن هل يستجيب مَن يتحصلون مِن هذه المباريات على المليارات؟
(في تقرير مفصَّل لها بعنوان: (هل انتهت اللعبة؟) ذكرت صحيفة (نيويورك تايمز): أن الإجراءات تأخرت من مسئولي كرة القدم على مستوى العالم لمواجهة هذا الفيروس إلى حدٍّ بعيدٍ، مشيرة إلى أن مسئولي الدوري الإنجليزي حاولوا في البداية إقامة المباريات دون جمهور؛ للحفاظ على مسيرة المباريات، ولكن كل شيء توقف لعدم جدوى هذه الخطوة.
وأضافت الصحيفة: إن إيطاليا قررت تعليق موسم الدوري لديها، وهو ما فعلته إسبانيا أيضًا، وحذت حذوها مجموعة من الدوريات في جميع أنحاء القارة، مشيرة إلى أن تزايد الحالات في أوساط اللعبة كان سببًا رئيسيًّا في كل ذلك؛ فالبداية كانت مع (يوفينتوس) يليه (انتر ميلان)، فقد جاءت نتائج (دانييل روجاني) مدافع (اليوفي) إيجابية، ثم جرى الاشتباه في فريق كرة السلة بريال مدريد ليأتي الرد بتعليق كل الأنشطة الرياضية.
وذكرت الصحيفة الأمريكية أنه جرى بعد ذلك وضع (بنجامين ميندي) لاعب مانشستر سيتي في عزلة ذاتية، ثم كان (ميكيل أرتيتا) المدير الفني لأرسنال، ومهاجم تشيلسي (كالوم هدسون).
وأشارت نيويورك تايمز: إلى أن كرة القدم صمدت أطول قدر ما استطاعت، وأكثر مما كان يجب أن يكون، إلى أن كانت تلك الساعات الـ72 فقط نقطة التحول، بمجرد أن دخلت الفرق في الحجر الصحي، وأصاب المرض اللاعبين، فقد أدركت اللعبة أنها لا تستطيع التخبط، ولا يمكنها أن تستمر كالمعتاد.
وأضافت: إن المسئولين عن قيادة الرياضة كانت لا تزال تراودهم الآمال في ألا تنفجر الأمور بهذا الشكل، ويراهنون على الورقة الرابحة لديهم ذات الثقة في الكرة وسيلة للإلهاء في الأوقات العصيبة وهو ما يمنحها الحصانة في الظروف غير الطبيعية).
وذكرت الصحيفة: (إن معظم الأندية فرضت حظرًا شاملًا على الزوار غير الضروريين لمناطق الفريق الأول لعدة أسابيع، بل وقام البعض بفصل فرق الشباب والنساء عن الفريق الأول في محاولة للحد من خطر العدوى، بخلاف تطهير مرافق التدريب الخاصة وحظر السفر من وإلى المناطق الشديدة الخطورة، وتشجيع الناس على العمل من منازلهم، كما أن أحد أندية الدوري الإنجليزي الممتاز نصح الموظفين بغسل أيديهم عند دخولهم ومغادرة كل غرفة، وقامت الإدارات الطبية بتكثيف إجراءات النظافة ببطء مع تفاقم الأزمة.