شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دروس وعبر من قصة نبي الله الخضر -عليه السلام- (3)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

(لقاء موسى بالخضر -عليهما السلام- وآداب التعليم والتعلم)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- تذكير مختصر بما سبق.

- الإشارة إلى أعظم فوائد مشهد اليوم من القصة، وهي: آداب التعليم والتعلم.

المشهد الثالث: لقاء الأنبياء -عليهم السلام-:

- لقاء الأنبياء الثلاثة: (موسى والخضر ويوشع) -عليهم السلام-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( رَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا، حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ، أَوْ قَالَ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ، فَسَلَّمَ مُوسَى، فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى، فَقَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لاَ تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لاَ أَعْلَمُهُ، قَالَ: ( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا، وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ) (الكهف:67) ، قَالَ: هَلْ أَتَّبِعُكَ؟ قَالَ: ( إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا . وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ) (الكهف:67-68) ، إِلَى قَوْلِهِ: ( إِمْرًا ) (الكهف:71) (متفق عليه) .

الفوائد والعِبَر:

(1) العلم اللدني بين أهل السنة وأهل البدعة:

- علم الأنبياء موهوب من الله: ( وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ) (الكهف:67) ، وقال الخضر -صلى الله عليه وسلم- لموسى -عليه السلام: ( يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لاَ تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لاَ أَعْلَمُهُ )، وقال -تعالى- لنبينا -صلى الله عليه وسلم-: ( وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ) (النساء:113) .

- علم الأنبياء منحة إلهية، لا ينال بالمجاهدة والكسب، وتكلف الشاق من الطاعات، ورياضة النفس كما زعم بعض الفلاسفة والصوفية، فالرسالة نعمة من الله على من اختاره من عباده: قال -تعالى-: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ) (مريم:58) ، وقال -تعالى- لموسى -عليه السلام-: ( اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي ) (الأعراف:144) .

- وقد شاع استعمال مصطلح: "العلم اللدني" بين طوائف من أهل البدع، وجاء في كلام بعض أهل السنة إثباته، ولكن لكل فريق منهم مفهوم يختلف عن الآخر، وسبب ذلك اختلافهم في مفهوم الآية: ( وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ).

- العلم اللدني كما هو عند بعض أهل السنة: قال ابن القيم -رحمه الله-: "فالعلم اللدني، ما قام الدليل الصحيح عليه أنه جاء من عند الله على لسان رسله، وما عداه فلدنى من لدن نفس الإنسان، منه بدأ واليه يعود" (مدارج السالكين، منزلة العلم) .

- العلم اللدني عند أهل البدع من الصوفية والفلاسفة والباطنية: "هو ما كان مستنده ترك النقل والعقل معًا، وأن الأحكام الشرعية المأخوذة من الكتاب والسنة إنما يحكم بها على الأنبياء والعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص، بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم، ويحكم عليهم بما يغلب على خواطرهم، وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون الجزئيات بلا واسطة" (تفسير القرطبي) .

- مقتضى قول المبتدعة هدم رسالة الأنبياء: قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-: "وهذا القول زندقة وكفر، يُقتل قائله ولا يستتاب؛ لأنه إنكار ما علم من الشرائع، فإن الله أجرى سنته وأنفذ حكمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله" (تفسير القرطبي) .

وقال ابن القيم -رحمه الله-: "العلم اللدني نوعان: لدنى رحماني، ولدنى شيطان بطناوي، والمحك هو الوحي، ولا وحي بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" (مدارج السالكين) (1) .

(2) دروس في التربية والتعليم من القصة:

- ينبغي أن يتحلى طالب العلم بالهمة العالية، ولو طال زمان الطلب: ( لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ) (الكهف:60) ، قال الشيخ بكر أبوزيد -رحمه الله-: "كبر الهمة يجلب لك بإذن الله خيرًا غير مجذوذ، لترقى إلى درجات الكمال، فيجرى في عروقك دم الشهامة والركض في ميدان العلم والعمل، فلا يراك الناس إلا واقفًا على أبواب الفضائل، ولا باسطًا يديك إلا لمهمات الأمور" (حلية طالب العلم) .

- التماس الشيخ العالم المربي أثناء الطلب حتى لا تهدر الأوقات: ففي القصة: ( قالَ مُوسَى: يا رَبِّ فَكيفَ لِي بِهِ؟ )، وقال محمد بن سيرين: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم" (رواه البخاري) .

- التزام الأدب التام مع شيخه وقدوته والصبر على شدته: ففي القصة: ( قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ) (الكهف:69) ، وعن الشعبي قال: "صلى زيد بن ثابت -رضى الله عنه- على جنازة، ثم قربت له بغله ليركبها، فجاء ابن عباس -رضى الله عنه- فأخذ بركابه، فقال له زيد: خل عنك يا ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال ابن عباس -رضي الله عنه-: هكذا يفعل بالعلماء والكبراء" (جامع بيان العلم وفضله) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ ) (رواه أحمد والحاكم، وحسنه الألباني) .

وقال الشافعي -رحمه الله- في حق شيوخه:

أهـيـن لـهم نـفس فـهم يكرمونها ولن تكرم النفس التي لا تهـينها

الصفحة التالية