دروس وعبر من قصة نبي الله الخضر -عليه السلام- (3)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
وقال -رحمه الله-: "قيل لسفيان بن عيينة: إن قومًا يأتونك من أقطار الأرض، تغضب عليهم؟! يوشك أن يذهبوا أو يتركوك! فقال للقائل: هم إذًا حمقى مثلك إن تركوا ما ينفعهم لسوء خلقي!" (تذكرة السامع والمتكلم) .
- العلم يؤتى إليه ولا يأتي: ففي القصة: "خروج موسى -عليه السلام- في طلب الخضر مع المعاناة"، وقال حمدان الأصفهاني: "كُنْتُ عِنْدَ شَرِيكٍ، فَأَتَاهُ بَعْضُ أَوْلَادِ الْخَلِيفَةِ الْمَهْدِيِّ، فَاسْتَنَدَ إلى الْحَائِطِ وَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ؛ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْنَا، ثُمَّ عَادَ، فَعَادَ لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَتَستَخِفُّ بِأَوْلَادِ الْخُلَفَاءِ؟ فَقَالَ شَرِيكٌ: لَا، وَلَكِنَّ الْعِلْمَ أَجَلُّ عِنْدَ اللهِ -تعالى- مِنْ أَنْ أَضَعَهُ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ شَرِيكٌ: هَكَذَا يُطْلَبُ الْعِلْمُ" (المجموع للنووي) .
(3) تتمة: آفات العلم:
- ما دمنا تعرضنا للعلم وفضله وآداب طلبته وحملته، فمِن باب إتمام الفائدة، نذكر شيئًا مِن آفات العلم حتى يتقيه أهله:
1- تعلمه لغير وجه الله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه الألباني) .
2- كتم العلم: قال -تعالى-: ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ) (آل عمران:187) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ كَتَمَ عِلْمًا أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ ) (رواه ابن حبان، وقال الألباني: حسن صحيح) .
3- القول على الله بغير علم: قال -تعالى-: ( وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ) (النحل:116) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) (متفق عليه) .
4- الكبر والعجب: في الحديث القدسي: ( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) . وقال ابن عمر -رضي الله عنهما-: "تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ، وَتَعَلَّمُوا لَهُ الْوَقَارَ وَالسَّكِينَةَ، وَتَوَاضَعُوا لِمَنْ تَعَلَّمْتُمْ مِنْهُ وَلِمَنْ عَلَّمْتُمُوهُ، وَلَا تَكُونُوا جَبَابِرَةَ الْعُلَمَاءِ، فَلَا يُقَوَّمُ جَهْلُكُمْ بِعِلْمِكُمْ" (جامع بيان العلم وفضله) .
5- المراء والمخاصمة والجدال: قال -تعالى-: ( وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (النحل:125) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ) ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) (الزخرف:58) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .
6- النسيان: قال الزهري: "إِنَّمَا يُذْهِبُ الْعِلْمَ النِّسْيَانُ وَتَرْكُ الْمُذَاكَرَةِ" (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء) ، وعن سعيد بن عبد العزيز: "أن عطاء الخرساني كان إذا لم يجد أحدًا، أتى المساكين فحدثهم، يريد بذلك الحفظ" (جامع بيان العلم وفضله) .
7- التعصب بالهوى والتقليد الأعمى وتحكيم آراء الرجال: قال -تعالى- في ذمِّ المشركين: ( بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى? أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى? آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ) (الزخرف:22) ، قال الشافعي -رحمه الله-: "أجمع المسلمين على أن مَن استبانت له سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس" (إعلام الموقعين) ، وقال أحمد -رحمه الله-: "لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا" (إعلام الموقعين) .
8- التسرع في الفتوى: قال سفيان ابن عيينة: "أعلم الناس بالفتوى أسكتهم فيها، وأجهل الناس بالفتوى أنطقهم فيها" (الفقيه والمتفقه) ، وعن مجالد قال: "سئل الشعبي عن شيء، فقال: لا أدرى. فقيل له: أما تستحيي من قولك: لا أدرى وأنت فقيه أهل العراق؟ قال: لكن الملائكة لم تستحِ حين قالت: ( سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ) (البقرة:32) " (الفقيه والمتفقه) .
9- التحاسد والحقد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "الْحَسَد مرضٌ من أمراض النَّفس، وَهُوَ مرضٌ غَالبٌ، فَلا يخلص مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيل من النَّاس، وَلِهَذَا يُقَال: مَا خلا جَسَدٌ من حسدٍ، لَكِنَّ اللَّئِيم يبديه، والكريم يخفيه" (أمراض القلوب وشفاؤها) ، وقال الغزالي: "اعلم أن الحسد إنما يكثر بين قوم تكثر بينهم الأسباب الداعية إلى الحسد، وهذه الأسباب إنما تكثر بين أقوام يجمعهم روابط يجتمعون بسببها" (إحياء علوم الدين) .
10- الغرور: قال أبو حامد الغزالي: "الغرور هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى، ويميل اليه الطبع عن شبهة وخدعة مِن الشيطان، فمَن اعتقد أنه على خير؛ إما في العاجل أو الآجل عن شبهة فاسدة؛ فهو مغرور" (إحياء علوم الدين) .
خاتمة:
- عود على بدء، بالإشارة إلى فضل هذا الجزء من قصة الخضر مع موسى -عليهما السلام- وفائدته لأهل العلم.
- الإشارة إلى ما تبقى من القصة، وهي المواقف الثلاثة العجيبة من الخضر -كما سيأتي إن شاء الله-.
نسأل الله أن يعلمنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يجعله خالصًا لوجه الله الكريم.
والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ