شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (82) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (10) ضعف البحث العلمي في مصر

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلم يعد البحث العلمي ترفًا تمارسه الأمم المتقدمة، ولكنه أصبح ضرورة لا غنى عنها للأمم المتقدمة والبلدان النامية على حدٍّ سواء، وهو عملية تعاونية تنهض بها الجامعات والمؤسسات والمراكز البحثية العامة والخاصة، ويتم تفعيل البحث العلمي وتطويره من خلال تبادل المعرفة والتواصل المعرفي بين الباحثين في مختلف دول العالم.

والبحث العلمي: أسلوب منظم في جمع المعلومات الموثوقة وتدوين الملاحظات، والتحليل الموضوعي لتلك المعلومات باتباع أساليب ومناهج علمية.

ويحتاج البحث العلمي إلى رصيد ضخم من العلماء والخبراء القادرين على تطويع المنجزات العلمية لخدمة المجتمع وتنمية موارده وقدراته من خلال البحث العلمي؛ فإن الترانزستور المستخدم في كل الأجهزة الكهربائية تقريبًا هو نتاج أكثر من 50 عامًا من البحث في مجال أشباه الموصلات، واشترك في التوصل إليه وتطويره مئات العلماء، بعضهم معروف جهده الذي قدَّمه، وبعضهم غير معروف.

ويعد البحث العلمي مِن أبرز سمات التعليم الجامعي، ومهمة أساسية مَن مهام الجامعات اليوم، ومن خلاله يزيد الارتباط بين الجامعة وحركة المجتمع، ويقدم الحلول المناسبة لكثير من المشاكل التي تواجهها مؤسسات المجتمع المختلفة، ونظرًا لهذه الأهمية الكبيرة للبحث العلمي ودوره في دفع عملية التنمية وحل مشاكل المجتمع، فإن قضية تطوير البحث العلمي تعد في زماننا قضية أمن قومي.

وقد بينت أزمة كورونا أهمية البحث العلمي، من بدايتها من خلال تعامل البحث العلمي الجاد المثمر مع الأزمة كما فعلت كوريا الجنوبية، ومع نهايتها من خلال قيام العديد من شركات الأدوية العالمية ومراكز البحوث الطبية في الغرب والشرق بإنتاج لقاح فعال ومؤثر؛ للحد من انتشار فيروس كورونا.

تجربة كوريا الجنوبية:

نجحت كوريا الجنوبية نجاحًا واضحًا في مكافحة وباء كورونا والسيطرة على الفيروس، حيث نجحت في أن تخرج من دائرة الدول الأكثر معاناة من هذه الجائحة؛ فبعد أن كانت عدد المصابين فيها في نهاية شهر فبراير2020م يتعدى 900 حالة يوميًّا فإن العدد انخفض إلى 90 فقط حالة يوميًّا في شهر مارس، ثم إلى 40 حالة يوميًّا في شهر أبريل، وبلغت نسبة الوفيات لديها 77و0 % مقابل النسبة العالمية، وهي: 4و3 %، ولم تحتج إلى ما احتاجت إليه الدول الأخرى من فرض العزل الاجتماعي والحجر الصحي الصارم والإغلاق الاقتصادي الكامل.

و(إنما احتفظت كوريا الجنوبية بمنشآتها الاقتصادية، وغير الاقتصادية، مثل: المطاعم والمقاهي والمحلات التجارية والنوادي مفتوحة، ولم تحظر سير الناس في الشوارع أو تفرض عليهم حظرًا للتجول، ولم توقف العمل في المصانع، وبقيت حدودها مفتوحة، وطيرانها يعمل ويستقبل الزائرين بعد أن اكتفت فقط بفحصهم وإلزامهم بالعزل الصحي لمدة أسبوعين، وهذا ما أعفى المواطنين من وطأة العزل الاجتماعي العام والشامل، وقلل من التداعيات السلبية على الاقتصاد الكوري الجنوبي، حيث كانت معظم هذه التداعيات وافدة إليها من الخارج نتيجة ما أصاب الاقتصاد العالمي، والقليل منها كان ناجمًا عن غلق بعض المصانع والمنشآت الاقتصادية بعد اكتشاف إصابة عاملين بها بالفيروس، كان أبرزها شركة (تيوتا) للسيارات) (انظر: "رؤساء وكورونا" عبد القادر شهيب - كتاب الجمهورية - أغسطس 2020م، ص 110 -111) .

(وكلمة السر في هذا النجاح الذي حققته كوريا الجنوبية في مواجهة فيروس كورونا التاجي هي: التكنولوجيا؛ فقد اعتمدت كوريا الجنوبية على التكنولوجيا اعتمادًا كبيرًا في عملية الكشف والرصد والتقصي للمصابين بالفيروس، وحتى الذين لم تظهر أعراض عليهم، وفي توقيت مبكر أتاح لها الإسراع في علاجهم قبل أن تسوء حالاتهم المرضية ويسلبهم الفيروس التاجي الحياة، مع اختصار زمن الحصول على نتائج التحاليل إلى أربع ساعات فقط مقابل يومين في غيرها من الدول؛ ولذلك حققت كوريا الجنوبية رقمًا قياسيًّا في كشف ورصد الحالات المصابة، حيث تمكنت من إجراء مسح لمليون شخص في زمن قياسي عالميًّا بعد أن امتلكت قدرات لإجراء الفحص لنحو عشرين ألفًا في اليوم الواحد، كما اعتمدت على التكنولوجيا أيضًا في تحذر الناس من وجود أشخاص مصابين بالفيروس يقتربون منهم وصاروا على بعد مائة متر منهم.

كذلك اعتمدت على التكنولوجيا في متابعة ومراقبة المصابين، والتأكد من التزامهم بالحجر الصحي حتى لا ينقلوا العدوى لأخرين، على غرار ما حدث في بداية ظهور الفيروس في البلاد وأدى إلى اتشاره سريعًا)، (وهذا لا ينفي وجود أسباب أخرى ساهمت في نجاح التجربة الكورية الجنوبية في مكافحة الوباء، كان من بينها: الجدية والتحرك السريع، والاستفادة من الأخطاء، وأيضًا من الخبرات السابقة، والقدرة على حشد كل قدرات الجدولة الحكومية وغير الحكومية) (المصدر السابق، ص 111 بتصرفٍ يسيرٍ) .

كيف حدث هذا؟

(وضعت كوريا منذ عام 2008 م سياسة التعامل مع الذكاء الاصطناعي، وفي عام 2016م أعلنت استثمار 863 مليون دولار لتطوير الأبحاث الخاصة باستخدام الذكاء الاصطناعي حتى تصير عام 2022م من أكبر أربع دول في هذا المجال بالعالم.

وأعدت عام 2017م خطة موسعة يتم تنفيذها على مراحل أطلقتها وزارة العلوم والتكنولوجيا والمعلومات والاتصالات بتكلفة 6و2 مليار دولار؛ لتشييد بنية تكنولوجية عالية المستوى، ولذلك أتيح لعلماء كوريا الجنوبية حين دعت الحاجة، ابتكار أجهزة يسرت إجراء الفحص والتحليل وأخذ المسحات بمعدلات كبيرة، وبشكل آمن، وبدون الحاجة للذهاب للمستشفى، واختصرت فترة انتظار نتائج التحليل من 48 ساعة إلى أربع ساعات فقط؛ ففي يوم 27 يناير بعد ظهور الفيروس في البلاد واكتشاف أول حالة مصابة بسبعة أيام استدعت الحكومة كل مصنعي أدوات الاختبار الطبي، وطلبت منهم تطوير جهاز وبرنامج لاكتشاف الفيروس في أسرع وقت، وبعد أسبوع واحد -أي في 4 فبراير- اتفقت الجهات الحكومية على اختبار المشروع الفائز من بين المشروعات التي قُدِّمت لها.

الصفحة التالية