شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

رسالة مِن معافَى مِن مرض الكورونا

عصام حسنين • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإني أحمد الله -تعالى- أن شفاني وعافاني؛ فله النعمة والفضل والثناء الحسن، أحمده على السراء والضراء، وأحمده على كل حال؛ فلولاه ما اهتدينا، ولا صلينا، ولا تعافينا.

أسأله -عز وجل- المزيد من فضله، وأسأله العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهم عافني في بدني، اللهم عافني بصري، اللهم عافني في سمعي، لا إله إلا أنت.

- ولأن الدين النصيحة؛ فهذه رسالة من مريض عافاه الله مِن وباء كورونا، أحبَّ أن يذكِّر بها إخوانه المسلمين، والذكرى تنفع المؤمنين؛ فعن سعيد بن وهب قال: "دخلت مع سلمان -رضي الله تعالى عنه- على صديق له من كِندة يعوده، فقال له سلمان: إن الله تعالى يبتلي عبده المؤمن بالبلاء ثم يعافيه؛ فيكون كفارة لما مضى، فيستعتب فيما بقي -أي: يعاتب نفسه علي تفريطها في حق الله تعالى، فيندم ويعزم على إرضاء الله تعالى من حينه-، وإن الله عز اسمه يبتلي عبده الفاجر بالبلاء ثم يعافيه؛ فيكون كالبعير عقلوه أهله ثم أطلقوه، فلا يدري فيم عقلوه حين عقلوه، ولا فيمَ أطلقوه حين أطلقوه" (حلية الأولياء) .

أولًا: الصبر والرضا والشكر:

فإن العبد إذا ابتلي بمرضٍ؛ فإنه يجب عليه أن يصبر بحبس قلبه عن التسخط، ولسانه عن الشكوى، وحبس جوارحه عن المعصية.

قال الله -تعالى-: ( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (البقرة:156-157) .

- ويستحب له مع الصبر الرضا، أن يرضى عن الله -تعالى- فيما قدَّره عليه، وأن يرضى بقضائه فلا يسخط، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ ) (رواه الترمذي، وابن ماجه، وحسنه الألباني) .

- والإحسان في هذا المقام هو الشكر؛ فيشكر الله -تعالى- على ما قدّره عليه من البلاء، فكم في البلايا من منح و عطايا.

لما سُجن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وأُغلق عليه باب السجن تلا قوله -تعالى-: ( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) (الحديد:13) ، وكان يُكثر أن يقول في سجوده: "اللهم أعني على ذكرك، وشُكرك، وحُسن عبادتك".

ثانيًا: التوبة النصوح:

وليعلم العبد أنه ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة؛ فيُسارع إلى ربه -تعالى- تائبًا، مًقبلًا عليه؛ فإنه -تعالى- يحب التوابين، وتواب لمن تاب إليه وأناب، قال -تعالى-: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) (طه:82) .

فيتوب توبة نصوحًا، نادمًا على ما اقترف، عازمًا إن شفاه الله -تعالى- على عدم العود إلى الذنب، مقلعًا عنه فورًا، ويتخلص من المظالم؛ فمَن كان له عند أخيه مظلمة من عرض أو مال فليتحلله، ومن ظلم بغيبة فإنه يدعو له، ويُكثر مِن الاستغفار، وليستبشر.

ثالثًا: تقديم الرجاء على الخوف:

وعليه أن يستبشر برحمة الله ومغفرته، وأن يقدِّم حسن الظن بالله -تعالى-، ورجاء رحمته ومغفرته، وليقرأ أو يُقرأ عليه ما جاء في ذلك من نصوص الكتاب والسنة، وحكايات الصالحين عند الموت، ونحو ذلك مما يُعظم رجاءه في ثواب الله -تعالى- ورحمته.

رابعًا: الإقبال على الله -تعالى-:

ثم يُقبل على الله -تعالى-، مصليًّا، ذاكرًا لربه -تعالى- ولو بقلبه الأذكار الموظفة والمطلقة، ولا يتحرك لسانُه إلا بذكر الله -تعالى- وبالكلام الطيب.

قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: "لم أرَ أنفع للوباء من التسبيح" (حلية الأولياء) .

خامسًا: أن يستحضر ما جاء في فضل المرض وثواب المريض المحتسب:

فهذا مما يعين على العبادات الإيمانية السابقة، ومما جاء قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم- لأم السائب: ( لَا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ ) (رواه مسلم) .

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ، فَمَا سِوَاهُ إِلَّا حَطَّ اللهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا ) (رواه مسلم) .

وليتذكر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خير خلق الله أجمعين قد ابتلاه الله بالمرض، وكان يُوعك -صلى الله عليه وسلم- في مرض موته وعكًا شديدًا، دخل عليه ابن مسعود -رضى الله عنه- فرآه كذلك، فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلاَنِ مِنْكُمْ ) (متفق عليه) .

ونحو ذلك من الأحاديث الشريفة التي تحمله على الصبر والرضا والشكر.

سادسًا: الدعاء:

إن الدعاء هو العبادة كما قال -صلى الله عليه وسلم-، وقد أمر الله -تعالى- به عباده، ويحب من عباده ذلك، ويحب من عبده في ضرائه وبلائه أن يتضرع إليه ويدعوه، ويخبت إليه ويستكين، وإنه -تعالى- لينظر إلى قلبه، وما فيه من حب وخوف ورجاء، وإخلاص، وصدق، وتوكل، وإخبات، و استكانة، ورضا، وينظر إلى أعماله الظاهرة من صلاة ودعاء وذكر ونحو ذلك، فيري ربه مِن نفسه خيرًا.

الصفحة التالية