فوائد وعبر من قصة نبي الله الخضر -عليه السلام- (4)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
(عجائب الخضر الثلاث)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- تذكير مختصر بما سبق.
- التمهيد بأن المشهد الأخير في القصة، يحمل المسائل الثلاث العجيبة التي علَّمها الله -عز وجل- للخضر، ولم يعلمها موسى -عليهما السلام-.
المشهد الأخير: (مسائل الخضر الثلاث):
- المسألة الأولى: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ -أي: بلا أجرة-، فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إِلَّا وَالخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالقَدُومِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ قَدْ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا ( لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا . قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا . قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ) (الكهف:71-73) ، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( وَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا ) (رواه البخاري) .
- المسألة الثانية: ثم خرجَا من السفينة، فبينما هما يَمشيانِ على الساحل إذ أبْصَر الخضر غلامًا يلعب مع الغِلمان، فأخذ الخضرُ رأسه بيده، فاقتلعه بيده فقتَله، فقال له موسى: ( أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ) (الكهف:74-75) ، قال: وهذه أشدُّ من الأولى، ( قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ) (الكهف:76) .
- المسألة الثالثة: ( فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ )، قال: مائل، فقال الخضرُ بيده ( فَأَقَامَهُ )، فقال موسى -عليه السلام-: "قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يُضيِّفونا: ( لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا . قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ) (الكهف:77-78) . فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ فَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا ) (رواه البخاري) .
- جواب الخضر على تساؤلات موسى -عليهما السلام- في المسائل الثلاث: ( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا . وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا . فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا . وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ) (الكهف:79-82) .
الفوائد والعِبَر حول المسألة الأولى:
- ( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ): قال سعيد بن جُبَير: "كان ابن عباس يقرأ: (وَكان أمامَهم ملِك يأخذ كلَّ سفينة صالحة غصبًا)".
- كان موسى -عليه السلام- معذورًا فيما فعل، لما رأى مِن المنكر الظاهِر، وهو: إتلاف المال، وعدم حفظ جميل أصحاب السفينة الكرام! وقد تقرر في كل الشرائع إنكار المنكر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَان ) (رواه مسلم) .
- لكن فعل الخضر -عليه السلام- وان كان منكرًا في ظاهره؛ إلا أنه عين المعروف، وحقيقته في باطنه الذي لا يعلمه موسى -عليه السلام-: ( وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ).
- فعل الخضر -عليه السلام- بما علمه من ربه، إعمال للقاعدة الشرعية العظيمة: "مراعاة المصالح والمفاسد"، قال القرطبي -رحمه الله-: "ففي هذا من الفقه: العمل بالمصالح -إذا تحقق وجهها-، وجواز إصلاح كل المال بإفساد بعضه" (تفسير القرطبي) .
وقال ابن القيم -رحمه الله-: "فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين ما أمكن، فإن لم يمكن رفعه إلا بضرر أعظم منه، أبقاه على حاله، وان أمكن رفعه بالتزام ضرر دونه، رفعه به" (إعلام الموقعين) .
- وقد استنبط علماء الإسلام من القصة وغيرها القواعد الشرعية المختلفة الألفاظ، والتي تدور حول "تحقيق المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها"، ومنها: (قاعدة: احتمال أخف الضررين).
- من الأدلة على القاعدة من غير القصة: قوله -تعالى-: ( وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ) (الأنعام:180) ، وقول موسى بعد قتله القبطي المحارب الظالم: ( هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ) (القصص:15) ، وذلك لما يترتب عليه من مفسدة أكبر وأشد.
وفي حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( دَعُوهُ )، فَلَمَّا فَرَغَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِذَنُوبٍ فَصُبَّ عَلَى بَوْلِهِ" (متفق عليه) .
قال النووي -رحمه الله-: "وفيه: رفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما".
الفوائد والعِبَر حول المسألة الثانية: