فوائد وعبر من قصة نبي الله الخضر -عليه السلام- (4)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
( وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا . فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ): قال سعيد بن جُبَير: "كان ابن عباس يقرأ: (وأمَّا الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين)".
- كان موسى -عليه السلام- معذورًا أيضًا فيما فعل، لما رأى مِن المنكر الظاهِر النكارة، وهو قتل غلام صغير غير مكلَّف، ولم يرتكب جرمًا! وقد تقرر في كل الشرائع إنكار المنكر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَان ).
- لكن فعل الخضر -عليه السلام- وإن كان منكرًا في ظاهره؛ إلا أنه عين المعروف وحقيقته في باطنه الذي لا يعلمه موسى -عليه السلام-: ( وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَ?لِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ).
- فعل الخضر -عليه السلام- بما علمه من ربه، إعمال للقاعدة الشرعية العظيمة: "مراعاة المآل في الأمور": قال ابن بطال كما في الفتح: "قول الخضر: (وأمَّا الغلام فكان كافرًا) هو باعتبار ما يؤول إليه أمره، أن لو عاش حتى يبلغ" (فتح الباري) .
- ولكن... قتل الغلام صغيرًا أمر خاص بالخضر -عليه السلام-؛ وإلا فالغلام حال قتله لم يكن صائلًا؛ لما أرسل نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان في الحرب، قال: "إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَأَنْتَ فَلَا تَقْتُلْ مِنْهُمْ أَحَدًا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ تَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا عَلِمَ الْخَضِرُ مِنَ الْغُلَامِ حِينَ قَتَلَهُ" (رواه مسلم) .
قال ابن حجر -رحمه الله-: "لا يجوز الإقدام على قتل النفس ممن يتوقع منه أن يقتل أنفسًا كثيرة قبل أن يتعاطى شيئًا من ذلك، وإنما فعل الخضر ذلك لاطلاع الله -تعالى- عليه" (فتح الباري) .
الفوائد والعِبَر حول المسألة الثالثة:
( وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ).
- كان موسى -عليه السلام- معذورًا أيضًا فيما فعل، لما رأى من المنكر الظاهر، فهو يصلح الجدار لأهل القرية اللئام، مع ما سبق مِن الإساءة -ظاهرًا- لأصحاب السفينة الكرام، وقد تقرر في كل الشرائع إنكار المنكر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَان ).
- لكن فعل الخضر -عليه السلام- وإن كان منكرًا في ظاهره؛ إلا أنه عين المعروف وحقيقته في باطنه الذي لا يعلمه موسى -عليه السلام-: ( وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَ?لِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ).
- لقد حفظ الخضر -عليه السلام- كنز الصغار مِن أن يصل اليه أهل القرية اللئام الكبار: ( وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ).
- العمل الصالح يبقى أثره في الذرية ولو بعد حين: ( وكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا )، قال جعفر بن محمد: "كان بين الغلامين وبين الأب الصالح سبعة آباء!".
فائدة إيمانية تربوية من تعبيرات الخضر -عليه السلام-:
- لماذا اختلف التعبير من الخضر -عليه السلام- عن الإرادة فيما فعل: ( فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا )، ( فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً )، ( فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا )؟
- الجواب: أنه لما ذكر العيب أضافه إلى إرادة نفسه، فقال: ( فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا )، ولما ذكر القتل عبر عن نفسه بلفظ الجمع تنبيهًا على أنه مِن العظماء في علوم الحكمة، فلم يقدم على هذا القتل إلا لحكمة عالية، ولما ذكر رعاية مصالح اليتيمين لأجل صلاح أبيهما، أضافه إلى الله -تعالى-؛ لأن المتكفل بمصالح الأبناء، لرعاية حق الآباء ليس إلا الله -سبحانه وتعالى- (التفسير الكبير) .
خاتمة: مسألة عقدية مهمة وخطيرة:
- لا يجوز لأحدٍ الخروج على شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم-، محتجًا بخروج الخضر على شريعة موسى، أو أن ذلك يسع الأولياء باعتبار أن الخضر ولي؛ قال ابن تيمية -رحمة الله-: "فلفظ: الشرع والشريعة، إذا أريد به الكتاب والسُّنة لم يكن لأحدٍ مِن أولياء الله ولا لغيرهم أن يخرج عنه، ومَن ظن أن لأحدٍ مِن أولياء الله طريقًا إلى الله غير متابعة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- باطنًا وظاهرًا فلم يتابعه باطنًا وظاهرًا؛ فهو كافر.
ومَن احتج في ذلك بقصة موسى مع الخضر، كان غالطًا من وجهين: أحدهما: أن موسى لم يكن مبعوثًا إلى الخضر، ولا كان يجب على الخضر اتباعه؛ فإن موسى كان مبعوثًا إلى بني إسرائيل، وأما محمد -صلى الله عليه وسلم- فرسالته عامة لجميع الثقلين -الجن والإنس-، ولو أدركه مَن هو أفضل مِن الخضر كإبراهيم وموسى وعيسى، وجب عليهم اتباعه؛ فكيف بالخضر سواء كان نبيًّا أو وليًّا؟! ولهذا قال الخضر لموسى: ( إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ لاَ تَعْلَمُهُ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لاَ أَعْلَمُهُ ) (متفق عليه) ، وليس لأحدٍ من الثقلين الذين بلغتهم رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- أن يقول مثل هذا.