شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نظرات في ميثاق مبادئ الديانة الإسلامية في فرنسا

الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد طالعتنا وسائل الإعلام بما سُمي: "ميثاق مبادئ الديانة الإسلامية في فرنسا"؛ تلبية لنداء الرئيس إيمانويل ماكرون رئيس جمهورية فرنسا، أصدر مسئولو مجالس واتحادات الإدارات الخاصة بمراكز العبادات الإسلامية في فرنسا ميثاق المبادئ؛ وذلك على إثر الأعمال الإرهابية التي تمت في فرنسا، وآخرها ذبح مدرس فرنسي من قِبَل طالب مسلم بتحريضٍ مِن الجماعات الإسلامية المتطرفة في فرنسا.

ونتعرض لأهم ما جاء فيه:

في الديباجة: "نتعهد مِن خلال هذا الميثاق -وبصفتنا مواطنين فرنسيين، أو بصفتنا أيضًا ممثلين عن جمعيات الطوائف الإسلامية، باحترام جميع المواد المنصوص عليها في الوثيقة الحالية، والمسماة: بـ"ميثاق المبادئ"، ويهدف هذا الميثاق إلى وضع أُطر لنظم وقواعد الأخلاق، والتي يتعيَّن عليها تنظيم عمل المجلس القومي للأئمة".

نقول: أول ما نرى مِن مخالفةٍ؛ العنوان الذي ينص على ميثاق المبادئ الإسلامية في فرنسا، وكأن الديانة الإسلامية في فرنسا تختلف عن غيرها، والإسلام دين واحد لا يختلف مِن مكانٍ إلى مكانٍ، ولا مِن بلدٍ إلى بلدٍ، ولا من دار إسلام إلى دار كفر؛ قال الله -تعالى-: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيْتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِيْنًا ) (المائدة:3) .

ثانيًا: التعهد بالالتزام الكامل بالنصوص الآتية في الوثيقة يتعارض مع قول الله -سبحانه وتعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) (النساء:59) ، فلا يجوز لمسلم أن يتعهد بإقرار ما خالَف الكتاب والسُّنة والإجماع بحالٍ مِن الأحوال.

وسنرى في هذه الوثيقة مخالفات جمَّة خطيرة لأصول الاعتقاد؛ فمن ذلك قولهم: "وبهذا نؤكِّد مِن جديدٍ: أنه ليس لمعتقداتنا الدينية، أو أية أسباب أخرى أن تسمح بإزاحة المبادئ المُؤَسِّسة لحقوق ودستور الجمهورية".

وهذا مِن أخطر المسائل في هذه الوثيقة؛ إذ جعل مبادئ الدستور الفرنسي المعروفة بأنها الحرية والديمقراطية -على المفهوم الغربي-، والمساواة أن تكون فوق الشريعة، وفوق العقيدة الإسلامية، وفوق كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- في سلوك المسلم، قال الله -عز وجل-: ( وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ) (التوبة:40) ، وقال -تعالى-: ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:65) ، وهؤلاء قد جعلوا مبادئ الجمهورية الفرنسية ودستور الجمهورية فوق الاعتقادات.

ومعلوم أن الحرية -في مفهوم الغرب- تشمل ما سيأتي النص عليه مِن: حرية الكفر، وحرية الردَّة، وحرية الشذوذ الجنسي -اللواط والسحاق-، والحرية الجنسية في المعاشرة بين الرجال والنساء بدون تكوين أسرة! فالحرية عندهم مطلقة لا يحدها إلا حرية الآخرين.

وكذلك الديمقراطية؛ فإن الديمقراطية الغربية مبناها على أن التشريع للشعب، لا لله -عزَّ وجلَّ-، ولا مرجعية لكتاب مقدس، ولا لأحكام شرعية معينة أو مطلقة، بل كل ما اختاره الناس وشرَّعوه صار لازمًا وحتمًا، وهذه معلوم منازعتها منازعة تامة مطلقة لقول الله -عز وجل-: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (يوسف:40) ، وقال الله: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) (المائدة:44) ، وقال الله: ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (المائدة:45) ، وقال الله: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (المائدة:47) .

كما أن الحرية -على طريقتهم- تتعارض مع قول الله -عز وجل-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:21) ، وقوله -تعالى-: ( وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ) (النحل:116) ، وقوله -سبحانه وتعالى-: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ ) (الأنعام:93) ، وهؤلاء القوم يقولون: سنضع مِن القوانين الوضعية مثل ما أنزل الله!

ثم المساواة؛ يعنون بها المساوة المطلقة، والتي تتضمن المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في الإرث، وفي الحقوق، وفي حقوق الزوجية، ولا شك أن هذه المساواة -وإن كانت أصلًا-؛ إلا أنه قد ثبت تخصيصها، وكذلك المساواة المطلقة بين المسلم والكافر؛ فإنها -وإن كان هناك قدْرٌ من المساواة في عصمة دماء المسلمين والمُعاهَدِين-؛ إلا أن ذلك لا يقتضي المساواة بين الإسلام وبين الكفر، وسيأتي من نصوص الوثيقة ما هو أشد مُحادَّةً لكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وإجماع المسلمين.

والحقيقة: أن هذه المسألة -مسألة ما وضعه الناس فوق شرع الله أم أن شرع الله فوق ما وضعه الناس- هي المسألة التي وقع فيها الخلاف العلني بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس الفرنسي ماكرون؛ لأن هذه الأفكار والمبادئ الموضوعة من قِبَل البشر لا يجوز أن تُجعل فوق ما أنزله الله إلى الناس؛ فكيف لمسلمٍ أن يقول: ليس لمعتقداتنا الدينية أو أية أسباب أخرى أن تسمح بإزاحة المبادئ المؤسِّسة التي مِن ضمنها: العلمانية، والمساواة المطلقة، والحرية المطلقة؟!

الصفحة التالية