شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نظرات في ميثاق مبادئ الديانة الإسلامية في فرنسا

الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة

وفي الحقيقة: هذه الوثيقة أقرب إلى محاكم التفتيش في عقائد الناس، وإلزام المسلمين أن يقولوا، وأن يوقعوا عليها اختيارًا، ولا يجوز لمسلمٍ -يعرف أن هذه المبادئ قد تضمنت ما يخالف الوحي المنزل وأحكام الشرع- أن يوقِّع عليها بحالٍ مِن الأحوال.

ووقع في الوثيقة: "ومِن الناحية الدينية والأخلاقية؛ فالمسلمون -بصفتهم مواطنين أو مقيمين غرباء- مرتبطون بفرنسا من خلال عهد، ويجب عليهم -بمقتضى هذا العهد- احترام الترابط الوطني، والنظام الجمهوري، وقوانين الجمهورية".

نقول: يجب أن يكون ذلك مُخصَّصًا بما لا يخالف شرع الله -عزَّ وجلَّ-؛ وإلا فلا يجوز أن يعقد المسلم عقدًا أو يعهد عهدًا يُلزمه بتغيير اعتقاده في الحلال والحرام، أو بالتزامه في نفسه وأسرته بما يخالف شرع الله؛ وإلا كان عاجزًا عن إقامة الدين في بلاد الكفر؛ فيجب عليه الرحيل منها إن أُلزم بمخالفة الشريعة.

ووقع في الوثيقة: "يلتزم جميع الموقِّعين على هذا الميثاق على الاحترام والكرامة، والعمل على السلام المدني، وعلى مكافحة جميع أشكال العنف والكراهية".

نقول: يا ليت هذا يشمل العنف ضد المسلمين والكراهية ضد الإسلام، وهي في فرنسا مِن أشد أنواع الكراهية والتخويف والتبغيض للإسلام، وأشد صور الكراهية هي السخرية والاستهزاء، والإهانة، والاعتداء؛ حتى مع الأولاد الصغار في المدارس!

ويكفي أن الوثيقة تناولت ذبح المدرس الفرنسي، ولم تتناول الجريمة التي ارتكبها مِن نَشْر الرسوم المُسيئة على طلاب؛ يُوجَد فيهم مسلمون، ونَشْر روح الكراهية للإسلام في قلوب الأولاد والبنات.

ووقع في الوثيقة: "إن الحرية مكفولة مِن خلال مبدأ العلمانية التي تتيح لكل مواطن الاعتقاد، أو عدم الاعتقاد، وممارسة العبادة التي يختارها، أو تغيير ديانته".

نقول: هذا الجزء مخالِفٌ مخالفةً صريحة للشريعة في إثبات حق ترك الدين، وتغيير ملة الإسلام؛ وهذا أمر لا نزاع فيه بين العلماء، قال الله -عزَّ وجلَّ-: ( وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (البقرة:217) ، وقال الله -عزَّ وجلَّ-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ) (المائدة:54) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ بَدَّلَ دِيْنَهُ فَاقْتُلُوهُ ) (رواه البخاري) .

وإن كنا لا نقول للمسلمين: أن يَقتلوا -وهم في إقامتهم في بلاد الكفر- مَن ارتدَّ عن الإسلام؛ لوجود العهد الذي يلزمهم الكف عما في هذه البلاد، لكن ذلك لا يُغير الاعتقاد، أو يُثبت أن الحرية بتغيير الملة، وعدم ممارسة العبادة سائغ؛ فهذا أمر لا يقبله مسلم؛ حتى وإن لم يستطع تطبيقه.

قالوا في الوثيقة: "كما يلتزم الموقِّعون على عدم تجريم رفض الإسلام!".

وهذا مِن أخطر الأمور في هذه الوثيقة؛ إذ إن كلمة التجريم كلمة واسعة؛ فالاتهام بالكفر، وكذا ذم الكفر والكفار، والإخبار بأنهم مِن أهل النار -كما وردت بذلك مئات الآيات والأحاديث؛ بل أكثر مِن ذلك- داخل في هذا الاعتقاد الفاسد؛ وهو عدم تجريم رفض الإسلام، قال الله -تعالى-: ( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ) (القلم:35) ؛ فكيف تمتنع -أيها المسلم- عن الإقرار بشيء موجود في القرآن؟! وأن تلتزم بأن لا تُعلمه أولادك وأسرتك؟!

وفي الوثيقة: "وعلى عدم وصفه بالارتداد" (الردَّة).

قد سبقت الآيات التي فيها ذِكْر وصف مَن ترك الإسلام بالردَّة، وهذا بنصوص قطعية من كتاب الله، ونصوص مُستفيضة مقبولة بالإجماع عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فكيف لمسلمٍ أن يمتنع عن وصف مَن ترك دين الإسلام بما وصفه الله به في القرآن؟!

هذا تعهد بترك اعتقاد ما في القرآن، ومخالفة سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- المجمع عليها.

وقالوا في الوثيقة: "وبعدم التنديد -أي: يلتزم الموقعون بعدم التنديد- بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو الاعتداء على السلامة الجسدية أو النفسية لمن يرفض أيَّة ديانة، إن الله منح الإنسان حرية الاختيار بمعتقداته بعيدًا عن أي إجبار: ( لَا إِكْرَاهَ في الدِّيْنِ ) (البقرة:256) ".

مع إقرارنا بأننا لا نكره الناس على الدخول في الإسلام، فليس معنى ذلك أن نقبل أن تكرهونا أن نترك اعتقادنا بذم وتوعُّد مَن خالَف ملة الإسلام بدخول النار وبالعذاب في الدنيا والآخرة، قال الله -تعالى-: ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) (طه:124) ، فإذا كنت -أيها المسلم- عاجزًا على أن تُطبِّق شيئًا من ذلك؛ فلا تلتزم بعدم التنديد -ولو بصورة مباشرة- بالكفر، أو أن تخبره بالكفر؛ فيكون ذلك اعتداء على سلامته النفسية.

قالوا: "وقد أوضح عن رغبته هذه من خلال عبارة: ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّي يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) (يونس:99) ".

نقول: لا يجوز أن يُوصَف الرب -سبحانه وتعالى- بالرغبة، ثم هذه ليست عبارة! وإنما هي آية مِن آيات الله -سبحانه وتعالى-.

وأما قوله -تعالى-: ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا )؛ فهذا خبر عن الإرادة الكونية وليس عن الإرادة الشرعية؛ فإن الله شرع لعبادة جميعًا أن يدينوا بدين الإسلام، فقال: ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ) (آل عمران:19) ، وقال الله -تعالى-: ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران:85) . وهذا التأكيد في هذه الوثيقة باسم الإسلام هو مِن أخطر ما يكتبه مسلم أو يقوله أو يوقِّع عليه!

قالوا في الوثيقة: "إن التبشير التعسفي والقاهر للوعي يتعارض مع حرية العقل والقلب، وهما ما يميزان حرية الإنسان".

الصفحة السابقة الصفحة التالية