نظرات في ميثاق مبادئ الديانة الإسلامية في فرنسا
الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة
يقصدون الدعوة للإسلام التي تخبر الناس أنهم إن لم يدخلوا في الإسلام دخلوا النار، وليس لنا أن نقهر وعيهم بهذا الوصف وهذا المآل، وهذا الكلام مِن أفظع ما يكون مخالفة لنصوص الآيات التي تقسِّم الناس إلى: "مؤمن، وكافر"، وتُخبر بمآل الكفار في الآخرة؛ فلا يصح أن يُقال: إن هذا تبشير تعسفي!
والحقيقة: أن لفظ التبشير استعملوه على عادة الغربيين في الدعوة إلى التنصير باسم التبشير، وأما القاهر للوعي؛ فهم يعنون أنه يغيب وعيه بأمور الغيب، وهذا لا شك أنه مِن أخطر ما يمكن؛ لأن القرآن قد أوجب علينا أن نؤمن بالغيب.
قالوا: "وعلى قناعة بأن الحوار هو دائمًا المصدر الثري، وهو بمثابة حصن ضد التعصب، ونوافِق على إجراء كل أنواع الحوارات، ونرفض كل أشكال العنف".
يا ليتهم يلتزمون بالسماح بذلك؛ بأن يسمحوا للمسلمين أن يعلنوا دعوتهم عن الإٍسلام الصافي النقي في بلادهم، ولا يُمنع المسلمون -من خلال إجراءتهم التعسفية- حتى مِن ممارسة عباداتهم، ورفع أذانهم ومخاطبة الناس بهذا الحق علانية.
قالوا في الوثيقة: "المادة الرابعة: المساواة: يلتزم الإسلام بالكامل بالمادة واحد للإعلان عن حقوق الإنسان والمواطنة!".
مَن الذي يتكلم باسم الإسلام حتى يقول: يلتزم الإسلام؟! هل هذا إسلام فرنسي مختص بهم؟! وهل هذه المساواة بالكامل -كما يقولون- هي مما ألزم به الإسلام، وشرع الله -عزَّ وجلَّ-؟!
قالوا: "والمساواة بين الرجل والمرأة هو مبدأ أساسي؛ ذُكر في النص القرآني الكريم: ( اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ) (النساء:1) ".
نقول: هذه المساواة قد ورد تخصيصها بقول الله -عز وجل-: ( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) (النساء:11) ، ولقول الله -عزَّ وجلَّ-: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) (البقرة:228) ، وبعشرات النصوص التي فرَّقت في أحكام اللباس وأحكام الولاية، وأحكام القِوامة، وأحكام الاستئذان، وأحكام العورات وغيرها بين الرجال والنساء؛ فلابد من المساواة في الأصل مع مراعاة الاستثناء، وليس تأكيد المساواة.
ومعلوم أنهم يقولون بهذه المساواة الكاملة في الإرث، وفي حقوق الزوجية، والندية في كل شيء.
قالوا في المادة الخامسة: "الأخوة: إن الأخوة -من وجهة نظر الدين- ملزمة بين البشر؛ إذ تدعونا أخلاقياتنا إلى التعاطف نحو إخواننا المواطنين دون تمييز، ونرفض جميع أنواع التمييز القائم على الدِّين والجنس، والميول الجنسية".
نقول: هذه العبارة الفضفاضة تتضمن تصريحًا بمخالفة شرع الله -عزَّ وجلَّ-؛ فعلى عموم هذه العبارة: تُلغى جميع أنواع الاستثناء مِن قاعدة المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث، وغيره!
وأما الميول الجنسية؛ فإنهم ينصون على احترام وتقدير وأخوة الشواذ جنسيًّا، والراغبين في التحول وتغيير خلق الله! وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، وَلَا تُفْضِي المَرْأَةُ إِلَى المَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
وما يعانيه المجتمع الغربي من الميول الجنسية المَرَضيَّة مِن: الشذوذ، والسادية، والمازوخية، وممارسة الجنس مع الحيوانات، ومع الأموات! وغيرها مما هي عبارة عندهم عن الميول الجنسية؛ فكيف نُلزَم بإثبات الأخوة مع هؤلاء (الأخوة التي تتضمن معنى المدح والثناء والقبول، وعدم الذم، وعدم الإخبار بعاقبة هذه الأفعال، وتجريمها وتحريمها!)؟! فهذه المادة مِن أفظع وأشد مواد الوثيقة نكارة، ومخالفة لشرع الله.
قالوا في الوثيقة: "إن جميع أشكال التمييز العنصري وكراهية الآخر؛ وخاصة الأفعال المعادية للمسلمين والأفعال المعادية لليهود، والمعادية للمثليين، وكراهية النساء، تعتبر جُنحًا سوف تجرَّم، وتخضع جميعها لقانون العقوبات!".
إذًا تضمن هذا الأمر المساواة بين الاعتداء على المسلمين، والاعتداء على المثليين -ولو كان بالكلام، ولو كان بالذم- وكذا الاعتداء على اليهود، والاعتداء على اليهود مجرَّم في أوروبا كلها باسم العداء للسامية؛ مع أن المسلمين ساميون في الأغلب، ومع ذلك لا ينالون مِن الحماية ما يناله اليهود!
وأما العجب؛ فأن يوقِّع مسلمٌ على أن الأفعال المعادية للمثليين -وهي لفظة واسعة جدًّا- حتى كراهية الفعل يشمل ذلك! وعندهم أن كراهية الآخر -كراهية الشاذ والزاني، والذي يتلذذ بتعذيب الآخرين له- أن ذلك كله مِن أشكال الكراهية المذمومة، وقد قال الله -عزَّ وجلَّ-: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ) (الممتحنة:4) .
هذه بعض المخالفات الفجَّة في الوثيقة المسمَّاة بـ"مبادئ الديانة الإسلامية في فرنسا".
ونقول -بناءً على ما تضمنته-: إنه لا يجوز للمسلم أن يوقِّع عليها بحالٍ مِن الأحوال، وأنه إذا أُرغِم على ذلك؛ فله مندوحة في الرجوع إلى بلاد المسلمين التي لا يَحتاج فيها إلى ذلك.
نسأل الله أن يعافي المسلمين في فرنسا، وفي كل مكان.