شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (5)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

قصة بناء الكعبة (3)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال الله -تعالى-: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (البقرة:124) .

قوله -تعالى-: ( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "لما جعل اللهُ إبراهيم إمامًا، سأل اللهَ أن تكون الأئمةُ من بعده من ذريته؛ فأُجيب إلى ذلك، وأُخْبر أنه سيكون مِن ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمة فلا يُقتدى بهم، والدليل على أنه أُجيب إلى طلبته: قول الله -تعالى- في سورة العنكبوت: ( وَجَعَلْنَا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ) (العنكبوت:27) ، فكل نبي أرسله الله، وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم، ففي ذريته -صلوات الله وسلامه عليه-.

وأما قوله -تعالى-: ( قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ )؛ فقد اختلفوا في ذلك، فقال خَصِيفٌ، عن مجاهد في قوله: ( قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) قال: إنه سيكون في ذريتك ظالمون.

وقال ابن أبي نُجيح عن مجاهد: ( قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) قال: لا يكون لي إمام ظالم. وفي رواية: لا أجعل إمامًا ظالمًا يُقتدى به. وقال سفيان، عن منصور عن مجاهد في -قوله تعالى-: : ( قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) قال: لا يكون إمام ظالم يُقتدى به.

روى ابن أبي حاتم عن مجاهد، في قوله: ( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) قال: أما مَن كان منهم صالحًا؛ فسأجعله إمامًا يُقتدى به، وأما مَن كان ظالمًا؛ فلا ولا نُعْمةَ عين.

وقال سعيد بن جبير: ( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) المراد به: المشرك، لا يكون إمام ظالم، يقول: لا يكون إمام مُشرك.

وقال ابن جريج، عن عطاء، قال: ( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) فأبى أن يجعل من ذريته إمامًا ظالمًا. قلتُ لعطاء: ما عهدُه؟ قال: أمره.

وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: قال الله لإبراهيم: ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) فأبى أن يفعل، ثم قال: ( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) ( قلتُ: أبى أن يفعل أن تكون ذريته كلهم أئمة، وإنما جعل الله الإمامة في الصالحين من ذريته).

قال محمد بن إسحاق بسنده عن ابن عباس: ( قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) يخبره أنه كائن في ذريته ظالم لا ينال عهده -ولا ينبغي أن يُوليَه شيئًا مِن أمره وإن كان مِن ذرية خليله- ومُحْسن ستنفذ فيه دعوته، وتبلغ له فيه ما أراد مِن مسألته.

وقال العَوفي، عن ابن عباس: ( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) قال: يعني لا عهد لظالم عليك في ظلمه أن تطيعه فيه.

وروى ابن جرير عن ابن عباس، قال: ( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) قال: ليس للظالمين عهد، وإنْ عاهدتَه اُنْقُضْه. ورُوي عن مجاهد، وعطاء، ومُقاتل بن حيان نحو ذلك.

وقال الثوري عن هارون بن عنترة، عن أبيه، قال: ليس لظالم عهد.

وعن قتادة، في قوله: ( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) قال: لا ينال عهدُ الله في الآخرة الظالمين، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فآمن به، وأكل وعاش. وكذا قال إبراهيم النخعي، وعطاء، والحسن، وعكرمة.

وقال الربيع بن أنس: عهد الله الذي عهد إلى عباده: دينه، يقول: لا ينال دينُه الظالمين، ألا ترى أنه قال: ( وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحَاقَ وَمَنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِيْنٌ ) (الصافات:113) ، يقول: ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق. وكذا رُوي عن أبي العالية، وعطاء، ومقاتل بن حيان.

وقال جويبر عن الضحاك: لا ينال طاعتي عدو لي يعصيني، ولا أنحلها إلا وليًّا لي يطيعني.

وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه عن علي بن أبي طالب، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) قال: "لَا طَاعَةَ إِلَّا في المَعْرُوفِ".

وقال السدي: "لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ" يقول: عهدي نبوتي.

فهذه أقوال مفسري السلف في هذه الآية على ما نقله ابن جرير، وابن أبي حاتم -رحمهما الله تعالى-.

واختار ابن جرير أن هذه الآية -وإن كانت ظاهرة في الخبر- أنه لا ينال عهدُ اللهِ بالإمامة ظالمًا، ففيها إعلام مِن الله لإبراهيم الخليل -عليه السلام- أنه سيوجد مِن ذريتك مَن هو ظالم لنفسه، كما تقدَّم عن مجاهد وغيره، والله أعلم. وقال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد المالكي: الظالم لا يصلح أن يكون خليفة ولا حاكمًا، ولا مفتيًا، ولا شاهدًا، ولا راويًا" (انتهى من تفسير ابن كثير) .

وقال القرطبي -رحمه الله- في مسائل هذه الآية: "السابعة عشرة: قوله -تعالى-: ( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا )، الإمام: القدوة. ومنه قيل لخَيْط البناء: إمام. وللطريق: إمام؛ لأنه يُؤَمُّ فيه للمسالك، أي يُقْصَد. فالمعنى: جعلناك للناس إمامًا يأتمُّون بك في هذه الخِصَال، ويقتدي بك الصالحون. فجعله اللهُ -تعالى- إمامًا لأهل طاعته؛ فلذلك اجتمعت الأمم على الدعوى فيه -والله أعلم- أنه كان حنيفًا".

وقال في المسألة المُوَفِّيَة عشرين: "قوله -تعالى-: ( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ): اخْتُلف في المراد بالعهد، فروى أبو صالح عن ابن عباس أنه: النبوة، وقاله السدي. وقال مجاهد: الإمامة. وقال قتادة: الإيمان. وقال عطاء: الرحمة. وقال الضحاك: دين الله -تعالى-. وقيل: عهده أمره. ويُطلق العهد على الأمر، قال الله -تعالى-: ( إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا ) (آل عمران:183) ، أي: أمرنا -يعني: اليهود-. وقال: ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ ) (يس:60) ، يعني: ألم أُقدِّم إليكم الأمر به، وإذا كان عهد الله هو أوامره فقوله: ( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) أي: لا يجوز أن يكونوا بمَحَلِّ مَن يُقبل منهم أوامر الله ولا يقيمون عليها، على ما يأتي بيانه بعد هذا آنفًا -إن شاء الله تعالى-.

الصفحة التالية