الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (5)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وروى معمر عن قتادة في قوله -تعالى-: ( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) قال: لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمين، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فآمَن به، وأكل وعاش وأبصر.
قال الزجَّاج: وهذا قول حسن، أي: لا ينال أماني الظالمين، أي: لا أُؤَمِّنُهم من عذابي.
وقال سعيد بن جبير: الظالم هنا: المشرك. وقرأ ابن مسعود وطلحة بن مُصرِّف: لا ينال عهدي الظالمون، برفع الظالمون. الباقون بالنصب. ( قلتُ: هذه قراءة شاذة مخالفة لرسم المصحف، لا يجوز التلاوة في الصلاة وغيرها بها)، وأسكن حمزة وحفص وابن محيصن الياء في عهدي، وفتحها الباقون.
الحادية والعشرون: استدل جماعة مِن العلماء بهذه الآية على أن الإمام يكون مِن أهل العدل والإحسان والفضل، مع القوة على القيام بذلك، وهو الذي أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- ألا يُنازِعوا الأمر أهله، على ما تقدَّم مِن القول فيه؛ فأما أهل الفسوق والجور والظلم فليسوا له بأهل؛ لقوله -تعالى-: ( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ).
ولهذا خرج ابن الزبير والحسين بن علي -رضي الله عنهم-، وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج، وأخرج أهلُ المدينة بني أمية وقاموا عليهم، فكانت الحَرَّةُ التي أوقعها بهم مُسلمُ بنُ عقبة.
والذي عليه الأكثر مِن العلماء: أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى مِن الخروج عليه؛ لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، وإراقة الدماء، وانطلاق أيدي السفهاء، وشن الغارات على المسلمين، والفساد في الأرض. والأول مذهب طائفة من المعتزلة، وهو مذهب الخوارج؛ فاعلمه.
( قلتُ: أما خروج مَن خرج مِن الأفاضل؛ فكان على ما رأوه مِن أن المصلحة راجحة في الخروج، والخروج على الظالم مبني على مراعاة المصالح والمفاسد، وقد وقع اجتهادهم خطأ منهم. وإن كان عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه- هو إمام وقته ومَبْغِيٌّ عليه وليس باغيًا؛ بل مَن بُويع له بعده -مِن مروان ثم عبد الملك، ومَن ولَّاهم عبد الملك كالحجاج- هم البُغاة عليه؛ ولكن قُتِل مظلومًا؛ فلما استقر الأمر لعبد الملك بن مروان صار هو الخليفة، وبايعه عبدالله بن عمر لتغلبه. وقد ذكر العلماء العلة في الصبر على طاعة الإمام الجائر -مع عدم لزوم طاعته إلا في المعروف- أنها: الحرص على الأمن، ومنع إراقة الدماء، وانطلاق أيدي السفهاء والفساد في الأرض؛ وبهذا تتفق أقوال السلف في الحقيقة؛ وإن اختلفت اجتهاداتهم في تطبيق الواقع).
الثانية والعشرون: قال ابنُ خُوَيْزِ مَنْدَاد: وكل مَن كان ظالمًا لم يكن نبيًّا، ولا خليفة، ولا حاكمًا، ولا مفتيًا، ولا إمام صلاة، ولا يقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة، ولا تقبل شهادته في الأحكام، غير أنه لا يُعزل بفسقه حتى يعزله أهل الحل والعقد. وما تقدَّم من أحكامه مُوافقًا للصواب ماضٍ غير منقوض. وقد نصَّ مالك على هذا في الخوارج والبغاة؛ أن أحكامهم لا تُنقض إذا أصابوا بها وجهًا مِن الاجتهاد، ولم يخرقوا الإجماع، أو يخالفوا النصوص. وإنما قلنا ذلك؛ لإجماع الصحابة، وذلك أن الخوارج قد خرجوا في أيامهم ولم يُنقل أن الأئمة تتبعوا أحكامهم، ولا نقضوا شيئًا منها، ولا أعادوا أخذ الزكاة، ولا إقامة الحدود التي أخذوا وأقاموا؛ فدلَّ على أنهم إذا أصابوا وجه الاجتهاد لم يُتعرَّض لأحكامهم.
( قلتُ: وهذا يدلُّ على أن جماهير العلماء يرون الخوارج مِن أهل الملة؛ لأنه لا نزاع في أن الكافر لا ولاية له على مسلم بحال).
الثالثة والعشرون: قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: وأما أخذ الأرزاق مِن الأئمة الظلمة؛ فلذلك ثلاثة أحوال:
- إن كان جميع ما في أيديهم مأخوذًا على مُوجب الشريعة فجائز أخذه، وقد أخذت الصحابة والتابعون مِن يد الحجاج، وغيره.
- وإن كان مُختلطًا حلالًا وظلمًا -كما في أيدي الأمراء اليوم- فالورع تركه، ويجوز للمحتاج أخذه، وهو كَلِصٍّ في يده مالٌ مسروقٌ، ومالٌ جيد حلال وقد وكَّله فيه رجل؛ فجاء اللص يتصدق به على إنسان؛ فيجوز أن تُؤخذ منه الصدقة، وإن كان قد يجوز أن يكون اللص يتصدق ببعض ما سرق، إذا لم يكن شيء معروف بنهب، وكذلك لو باع أو اشترى كان العقد صحيحًا لازمًا -وإن كان الورع التنزه عنه-، وذلك أن الأموال لا تحرم بأعيانها، وإنما تحرم لجهاتها.
- وإن كان ما في أيديهم ظلمًا صراحًا؛ فلا يجوز أن يُؤخذ مِن أيديهم. ولو كان ما في أيديهم من المال مغصوبًا -غير أنه لا يعرف له صاحب ولا مطالب- فهو كما لو وُجِد في أيدي اللصوص وقُطَّاع الطريق، ويُجعل في بيت المال ويُنتظر طالبه بقدر الاجتهاد، فإذا لم يُعرف صرفه الإمام في مصالح المسلمين" (انتهى مِن تفسير القرطبي) .
( قلتُ: وكلام ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد في غاية الإتقان والأهمية كذلك).