شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دروس وعِبَر من قصة قارون

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- قصة قارون هي قصة فتنة المال، وهي قصة البطر والاستعلاء في الأرض، وترك شكر الله على النعم؛ ففيها مثال للغني الكافر بنعمة الله، وهو يتكرر كثيرًا في كل زمان ومكان؛ ولذلك كثر التحذير مِن فتنة الدنيا والمال في كلام الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-: قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) (غافر:5) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

- ومع ذلك فإننا نجد كثيرًا مِن الناس يبيعون دينهم وآخرتهم بحطام الدنيا الزائل، ومِن هذه النماذج السيئة، قارون بني إسرائيل (1) : قال -تعالى-: ( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ . وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ. قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ . فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ . وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ . فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ . وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ . تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (القصص:76-83) .

مجمل القصة:

- يخبر -تعالى- عن حال قارون وما فَعل وما فُعِل به، وأنه كان مِن بني إسرائيل الذين فُضِّلوا على العالمين، ولكنه بَغَى على قومه وطغى بما أُوتيه من الأموال العظيمة المطغية، وأعطاه اللَّه من كنوز الأموال شيئًا كثيرًا ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، والعصبة من العشرة إلى التسعة إلى السبعة، ونحو ذلك؛ أي: حتى إن مفاتح خزائن أمواله لتثقل الجماعة القوية عن حملها، أي: هذه المفاتيح، فما ظنك بالخزائن؟ (2) وقال له قومه: لا تفرح بهذه الدنيا العظيمة وتفتخر بها، فإن اللَّه لا يحب الفرحين بها، ( وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) فلا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك وتبقى ضائعًا، بل أنفق لآخرتك، واستمتع بدنياك، وأحسن إلى عباد اللَّه، ( وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ ) بالتكبر والعمل بمعاصي اللَّه.

ورد قارون على قومه قائلًا: ( إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ) أي: إنما أدركت هذه الأموال بكسبي ومعرفتي بوجوه المكاسب، وخرج ذات يوم على قومه بأحسن هيئة، جمعت زينة الدنيا وبهجتها، ( قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ . وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) الذين عرفوا حقائق الأشياء، ونظروا إلى باطن الدنيا ( وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ ) العاجل مِن لذة العبادة ومحبته، والإنابة والإقبال عليه، والآجل مِن الجنة وما فيها ( خَيْرٌ ) مما تمنيتم ورغبتم فيه، ولا يوفَّق لذلك إلا الصابرون.

فلما انتهت بقارون حالة البغي والفخر، وازينت الدنيا عنده، بغته العذاب، فخسف اللَّه به وبداره الأرض، فما كان له مِن جماعة أو عصبة أو جنود ينصرونه، فما نُصِر ولا انتصر، ثم عرف الذين تمنوا مكانه بالأمس من الذين يريدون الحياة الدنيا: أن اللَّه يضيق الرزق على مَن يشاء، ويبسطُه لمن يشاء، وعلموا أن بسطَه لقارون ليس دليلًا على محبته، وأن اللَّه مَنَّ عليهِم فلم يعاقبهم على قولِهم، وإلا أصبح حالُهم الهلاك كقارون -لعنه اللَّه-. ولما ذكر اللَّه -تعالى- حال قارون وما صارت إليه عاقبةُ أمره، رغّب في الدار الآخرة، وأخبر أنها دار الذين لا يريدون علوًّا، أي: رفعة وتكبرًا على عباد اللَّه، ولا فسادًا، وهذا شامل لجميع المعاصي، وهؤلاء هم المتقون الذين لهم العاقبة الحميدة، كما قال -تعالى-: ( وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِين ) (الزخرف:35) . (تفسير السعدي) .

فوائد وعِبَر من القصة:

(1) المال يكون فسادًا ووبالًا على صاحبه إذا لم يستخدمه في طاعة الله:

- قارون الغني الكافر بنعمة الله، استعمل المال في المعاصي والفساد في الأرض، بدلًا من أن يستعمله فيما يرضي المنعِم -سبحانه-: ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) (يحسن ذكر أمثلة لنماذج سيئة لبعض الأغنياء الذين ينفقون الأموال في المعاصي، والرذائل، واللهو المحرم: كالإنفاق على الفضائيات الفاسدة، والتنافس في مظاهر الدنيا: كالسيارات الباهظة الثمن، والهواتف، والمصايف والمنتجعات، وغير ذلك).

الصفحة التالية